الدور الروسي وبصمات بوتين في بؤر العالم الساخنة

الوضع المتأزم في الساحة الأوكرانية حاليا، نموذج جديد لصراع القوى الكبرى في عصر ما بعد الحرب الباردة، أداتها الإرادة الشعبية، وسلاحها صوت الجماهير. فقد أصبح لصوت الشارع في الديموقراطيات الهشة دور كبير في تحديد هوية الحكم بعيدا عن صناديق الانتخاب. اللعبة أصبحت طوع من يمسك خيوطها، ويخطط لتحقيق مآرب ليست في صالح الوطن. وبدأت اللعبة الأوكرانية بإشهار المعارضة، الموالية للغرب، سلاح الشوارع ضد حكم يانوكوفيتش، الموالي لروسيا. وعندما اشتد صليل الاشتباكات، هرب الحاكم فسيطر المحكوم على مقاليد الأمور، ما جعل الجار الإقليمي يلعب بنفس السلاح في مناطق نفوذه، والمتاخمة لحدوده. فكان انفصال القرم عن أوكرانيا، تلاه دعوات انفصالية في خمس ولايات ناطقة بالروسية، أعلنت ثلاث منها رغبتها في الانفصال وتأسيس دول مستقلة، وعبرت إحداها علانية عن سعيها للانضمام إلى روسيا. وصاحب هذه التطورات حرب تحذيرات من الغرب ضد موسكو، بدأت بقلق أوروبي من التحرك الروسي في شرق أوكرانيا، أعقبه تصريح من البيت الأبيض يحث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على التوقف عن “زعزعة استقرار” أوكرانيا، وتلاه تحذير شديد اللهجة من الحلف الأطلسي لروسيا بارتكابها خطأ تاريخيا إذا تدخلت بشكل أكبر في أوكرانيا، وستكون هناك “عواقب وخيمة” فيما يتعلق بعلاقاتها بالحلف. حتى الآن اكتفى الغرب بتحذيرات وتنديدات شديدة اللهجة ضد المد الانفصالي في شرق أوكرانيا، خاصة في مدن دونستيك وخاركيف ولجانيسك، الناطقات باللغة الروسية. وكان منطق الغرب في تأييد الانشقاق على الحكم الموالي لروسيا، بأنه صوت الشارع، هو المنطق نفسه الذي تشهره موسكو الآن. فقد دعت روسيا السلطات الأوكرانية بالأمس إلى وقف كل الاستعدادات للتدخل في المناطق الموالية لروسيا بشرق البلاد، محذرة من خطر حرب أهلية.
الصراع الحقيقي يكمن في ظهور قوى جديدة بعد انتهاء عصر الهيمنة الأمريكية، خاصة بعد انكفاء إدارة الرئيس باراك أوباما داخليا، وتخليه عن التزاماته الدولية تحت ضغوط الرأي العام. المرحلة الجديدة تنبئ بظهور قوى إقليمية على الساحة الدولية، وأقرب نموذج لها في ألمانيا والصين، أما روسيا الجديدة في عهد فلاديمير بوتين فتسعى إلى إحياء الإمبراطورية الروسية، خاصة في جوارها الإقليمي. وإذا نظرنا في بؤر العالم الساخنة سنجد دورا لروسيا وبصمات لبوتين.