بشر يبتلعون الحياة

في العالم هناك طواحين من الموت تتحرّك بأفعال مختلفة، كل هذا يحدث نتيجة للسياسة أو الدين أو الاقتصاد، طواحين لا يهمها سوى ماذا تأكل بعد الطحن.
كثير من الأحداث الدموية التي تضرب بأفعالها المتوحشة أعمق أعماق الكائن البشري الراغب في الحياة، وتعريف الرغبة لا يخلو من كوارث أخرى يتم ارتكابها لنفس الأسباب لكنها لم تتحول إلى طواحين تمثّل الجريمة بأبشع أشكالها.
وإلا ماذا تعني الحرب؟
ماذا يعني رجل عسكري يتدرّب ليكون مجرد آلة داخل آلة عسكرية، ويبتعد آلاف الأميال عن بيته وأهله ليكون عدواً لأعداء مفترضين؟
ماذا يعني البارود داخل فوهات كل واحدة منها تفاخر باتساعها؟
ماذا تعني الزنازين والتعذيب الجسدي والمعنوي؟
وماذا يعني القتال من أجل السلطة؟
ماذا يعني أن يسخر زعيم إسلامي مفترض، هو الآخر، من الحور العين بينما يدفع بعشرات الشباب إلى سيارات مفخخة في الغابات والأدغال ليشير أحدهم إلى أن خلف هذه الأشجار التي تنتظر الموت موت ينتظره ليفوز بإحدى الحور العين؟
ماذا يعني فعل الأمر «قاتلوا»؟
ماذا يعني أن يحمل أحدهم سكيناً ليذهب لقتل آخر، أو سلاحاً نارياً، أو حتى علبة كبريت كافية لالتهام بيوت بأطفالها؟
وكل هذا التاريخ الذي يدوّن المعارك وأمهاتها وعشرات الأساطيل التي تفسد زبد البحر وتثير الطين ليصبح غباراً في وجوه البراري من أجل ترك الجثث في العراء، هذا التاريخ كله الذي يحفظ عن ظهر قلب الجرائم المدونة وغير المدونة.
كثير من البطولات المزيفة ضد الإنسانية والحرية واستعباد الإنسان والركض وراء سلطة أو قيمة لا قيمة لها، إما برأس سياسي لا سياسة فيه غير الموت أو برأس يفسّر إرادة الله كما يريد لها أن تكون على الأرض، أو بجماعات في دولة يأكلها الفقر من آخرها يمكن أن تقتل حتى الجثث لكي تتفرد بمكان يأكل جوعه!
كل هذا الخراب وهذه الطواحين من أجل ماذا إذن؟
الحديث عن عالم القرية أصبح حديثاً مشوشاً له طواحينه، طواحين المال والاقتصاد والتكنولوجيا، والسلام له طواحينه من عينات مناديب الأمم المتحدة، والسياسة لها طواحينها مثلما «دون ذكر أسماء لامعة»!
الأديان لها طواحينها التي تركض خلف ظلال أخرى غير ظلال الإيمان الواضح تحت رايات الأنبياء.
وكل ذلك حالة من تدمير الإنسانية عن بكرة أبيها ودون رحمة.
بالأمس تتحدث وزيرة صحة في أصح دول العالم عن كارثة وباء، جرعة دواء، وقبلها انهيارات أسواق المال، وبعدها يأتي رعاة الفقر ليشهروا السلاح على أهلهم وأهلنا، وأثناء كل ذلك نوصد الأبواب لكي نحمي أطفالنا من «لص» يحمل مسدساً ويتعرّى ليقتل كل من قابله.
كل هذا لأن هناك بشراً يحبون الحياة؟
لو أننا فكرنا بغير ذلك هل سنختلف ونذهب لأقرب قمامة أسلحة لنطلق الرصاص على أنفسنا؟
نحن نحب الحياة وكل ما يحدث هنا ضدنا، كل ما يحدث جريمة لا بدّ أن ننتصر لتقف ونقف على أقدامنا لإعادة صياغة العالم من جديد.
إعادة التفكير بالحياة وكأننا، على الأقل، بشرٌ يستحقون.
لم يعد أحد يعتني بأحد، أفواهنا مفتوحة لالتهام الأحداث والناس داخل الأحداث، لا نمتلك الوقت لنفسّر الأمر ولا لنستوعبه ولا لندافع عن الحق والعدل والحرية فيه.
هذا الإيقاع القاتل الذي أوقع بنا بين فكّيه والتهم بشريتنا بكل صفاء الحدائق فيها والأنهار إن وجدت والطبيعة رغم شحّها، وكأن هناك أحداً يدخّن أرواحنا وينفخ الهواء بكل بشاعة في وجه ملايين السنوات التي لم يعشها ولم يستوعب بشريتها وأخلاقها التي دافع عنها الإنسان، الإنسان النبيل والحرّ، لا الكائن الخارق الذي يعتقد بأن القوة هي السلاح الذي يجب عليه أن يشهره في وجه أي شيء ليفنيه ويفني معه متخماً بالجرائم.
كل المشاهد حولنا تقول إننا لم نعد سوى حفنة من الكائنات لا فرق بينها وبين خصال التوحش سوى المخالب والأنياب التي استبدلتها براعة الإنسان المفكر بالأسلحة والمبيدات.