حكمة المذيع!

«أعرف كثيرا من الناس، ممن يصفون أنفسهم بالمثقفين، يكتفون بحشو أذهانهم بالمعلومات، ويتكاسلون عن التفكير اللازم لتحول تلك المعلومات إلى موقف من الحياة، فلا يكونون أكثر من موسوعات ميتة» (آرثر شوبنهاور)
تقدم كل مهنة للمشتغلين بها، دروسا من الحكمة العملية، ترفع من ينصت إليها من المهنيين إلى مرتبة الحصيف! وهي مرتبة عالية المقام، يقصر عنها الكثيرون، ولا أستثني نفسي!
ولأنني أحب مهنتي كمذيع، تلك التي أمضيت بين تضاريسها الوعرة ربع قرن من عمري، ولأنني كذلك أرى في حكمة هذه المهنة ما يمكنه أن يفيد حتى غير المشتغلين بها، فهأنذا أقدم لكم خلاصة حكمة المذيع:
-الفضول هو السلاح الرئيسي في يد كل مشتغل بهذه المهنة -ودعوني أقل في يد كل إنسان عاقل- فبلا فضول حقيقي مخلص، سيبدو الحديث عن أي موضوع أو قضية، فاترا لا روح فيه.
-وطرح الأسئلة الدقيقة التي تروي الفضول، وتكشف الوجوه المعتمة، هو الأداة الوحيدة المتاحة للمعرفة، على الهواء، وخارج الهواء!
-الشهرة في مجال العمل التليفزيوني، تشبه انعكاس القمر على صفحة الماء، مرئية ولكنها غير حقيقية، وإن دفعت الشهرةُ المذيعَ لتضخم الذات والغرور، كانت هذه نهايته.
-الخطوط الحمراء كثيرة، وأسقف حرية التعبير منخفضة، وعلى المذيع أن يناضل بلا انقطاع كي يزيح الخطوط الحمراء ويرفع الأسقف ولو قليلا وإلا تحول إلى عبد خانع ذليل.
-على المذيع ألا يكتفي بحشد المعلومات في ذهنه، عليه أن يتأملها، ليكون له موقف معرفي منها.
-إن لم يكن المذيع إنسانيا في رؤاه وتوجهاته، معتنقا لحزمة من المبادئ النبيلة التي يدافع عنها باستماتة، كالحرية والعدالة وحقوق الإنسان والوطنية..فإنه لا يكون أكثر من طبل أجوف، ضرره أكثر من نفعه.
-يأتيك الضيوف ولديهم خوف غريزي من الكاميرا والميكروفون، وعليك طمأنتهم، والتودد إليهم، بلا تذلل، ولا تعال.
-احترم جميع من يظهرون معك من ضيوف، حتى هؤلاء الذين يختلفون معك في آرائك ومبادئك، فهم ضيوفك في نهاية الأمر!
-حافظ على نزاهتك المهنية، فإن قبولك لهدية واحدة من أحد مصادرك كفيل بتدمير سمعتك كمذيع إلى الأبد.
-عامل كل زملائك باحترام مخلص عميق، احتراما لإنسانيتهم أولا، ولأنهم هم الذين يجعلون ظهورك على موجات الأثير في أحسن صورة أمرا ممكنا.
-لا تكف يوما واحدا عن دراسة اللغة العربية، نحوا وأسلوبا.
-تخير صفوة المذيعين ممن يفوقونك خبرة وموهبة، وتعلم منهم، دون أن تقلدهم، فحفاظك على شخصيتك التليفزيونية المستقلة المميزة أمر في غاية الحيوية.
-اهتم بالتواصل مع الناس، والتعرف على آرائهم، إما باللقاء المباشر في الأماكن العامة، أو عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي..دون ذلك فإن المذيع ينقطع عن مجتمعه، ويتحول لكائن معزول لا يعبر عن الناس، فلا يهتم به الناس.
-ابتسامة المذيع الدائمة، وأعصابه الهادئة، وسلوكه الرصين الودود، على الهواء وخارجه، تقطع به نصف الطريق إلى قلوب الناس.
-نصف الطريق الآخر، هو الإنصات..فالمذيع الذي لا ينصت لإجابات ضيوفه على أسئلته -وهذا سيُفتضح سريعا جدا- ليس صادقا ولا أمينا ولا مهنيا..
-كن شجاعا، وعبر عن اختلافك في الرأي، بكل احترام وتقدير لرأي محدثك..فأحيانا ما يأتيك مسؤول حكومي يؤكد لك أن الكهرباء لا تنقطع أبدا، بينما أنت تركت بيتك والكهرباء مقطوعة عنه..قل له ذلك بلا رغبة في الصدام، بل بشجاعة ودودة كاشفة.
-الأخبار تتوالى، وينفي بعضها بعضا أحيانا، فلا تكن واثقا فيما تقول ثقة كاملة، ولا تقطع قطعا يقينيا إلا فيما أنت متأكد منه تأكدا تاما، والجأ لكلمات وعبارات مثل (أظن، بحسب المعلومات المتوفرة، تقول مصادر متعددة..إلخ)
-توجد كتب قليلة فقط على أرفف المكتبات العربية تتحدث حديثا علميا عن قواعد المهنة الإعلامية..من أهمها كتاب الدكتور عاطف عبد الجواد (ألف باء على الهواء..مبادئ الإذاعة والتلفزة) فاحرص زميلي المستقبلي على قراءته قراءة الدارس المحقق.
ومرة أخرى أقول لكم، إنني لست أزعم لنفسي الالتزام الحرفي بكل ما سبق، فالمرء تصدر عنه الهنات أحيانا، لكنني تلميذ يتعلم من حكمة مهنته، تلك التي نقلت لكم أهم وجوهها الآن. فالحكمة الحقة هي أن الإنسان يتعلم ويتعلم من المهد إلى اللحد مرورا بالاستوديو حيث الكاميرا والمايكروفون وملايين المشاهدين!