الصراع بين "العباية" والعبء الاجتماعي

منحتني الإجازة الأخيرة تذكرة للهروب من ضجة الارتباطات وقائمة المناسبات التي لا تتوقف، بل وتتخذ من الإجازة مواقيت لها، بأن أرتحل لإحدى دول الجوار ضمن حزمة من أبناء وطني. هذه الرحلة جعلتني مشدوهًا من أولها، تهامس الفتيات في طابور الصعود للطائرة »هاه متى نفسخ العبايات هنا والا في الطائرة«؟ حالات مهولة من الخلع، فمن كانت ترتدي البرقع رأيتها بأم عيني باللباس البحري الخليع، فلسوء حظي أو لربما لسوء حظهن أننا نزلنا ذات الفندق، هذا السقوط المتوالي من البرقع إلى العري شبه التام جعلني أضرب يمنى بيسرى، لماذا كل هذا التلون؟ لماذا اكتست الطائرة بالسواد عند العودة وتحللت منه عند الذهاب؟ هل العباءة ليست سوى عرف وعادة ترتبط بجغرافية محددة ولا علاقة لها بالدين؟ هل النساء لسن مقتنعات بها ولكن النسق العام للمجتمع أجبرهم على ذلك؟
لذتُ بتويتر وطرحت سؤالا عبر حسابي غيّر مجرى المقال، وجعلني ناقلا له أكثر من كوني كاتبه، وكان السؤال يقول:
- لماذا المرأة السعودية تخلع العباءة عند السفر؟ »البعض طبعا وليس الكل«.
وأتت الأجوبة متفرقة، منها القريب من مخيلتي، ومنها خارجها.
يقول الأستاذ عبد اللطيف الهلباني في ردود متفرقة:
»لأنها تحتكم للمجتمع، حسب انفتاح وانغلاق عادات المجتمع الذي تتواجد فيه تتصرف. فمجتمعنا رمز للحشمة في الحجاب والعباءة، فهو من فرض العباءة السوداء ومنع تغيير لونها وسمح بتعديلها لفستان، بشرط ألا يتغير اللون. الحجاب ليس شرطا أساسيا أن يكون أسود، لكن المجتمع اعتاد أن يكون بهذا اللون، تغييره يعد جريمة، وأقرب مثال الدكتورة حياة سندي..!!«
بينما يقول الروائي عبد الله البركات في سلسلة متفرقة من الردود:
»الفكرة في الحشمة وليست العباءة، أيهما أحق بالبقاء؟! الحشمة في الحجاب الصحيح، وكل مجتمع له عاداته المختلفة في ذلك، لكن العباءات ليست جميعها محتشمة، لذلك لا أرى بأسا بخلع العباءة مع التمسك بالحجاب المحتشم بحسب الزمان والمكان، صنعوا رمزية واهية للحشمة وكرسوها بلون وصورة نمطية، كم من فتاة اختطفت بعباءة!! تمنيت لو استبدل »الحجاب« أو »الحشمة« بدلا من »العباءة« في السؤال لكان المعنى أبلغ«.
ويقول التربوي، الأستاذ رافع الشهري:
»أعتقد أنه شهوة ونزغة شيطانية فقط، علمًا أن مدلول العباءة في مجتمعنا هو الحجاب، وليس شرطا ملزما أن الحجاب أسود، ولكنها رمزية«. لتأتي الأستاذة سناء العتيبي لتسقطني في إجابة في كنف سؤال استعصى علي رده:
»سأسألك، لماذا يبيع بعض الرجال السعوديين شرفهم وأخلاقهم خارج دولتهم؟ اعتبره جواباً حتى لو خالطه استفهام، ستجد نفس الدوافع والمسوغات بين الرجل والمرأة«. وذكرت الأستاذة سارة صالح باختصار:
»بعض الفتيات تكون عادة عندها.. تخلع العباءة لكي تأخذ راحتها فقط«.. وتقول ياسمين الناصر:
»البعض ترتدي العباءة وفقا للتقاليد في مجتمعنا.. كثير من أمور الدين تربى عليها جيلنا أنها تقاليد فقط، وليست من الشرع. وهذه غلطة الآباء«. وذكرت فيضا من ردود متعددة:
«لأنهن يرتدين العباءة إيمانًا بعاداتهن وتقاليدهن، وما يمليه عليهن مجتمعهن، وليس إيمانًا بأمر الله أو تطبيقًا لحكم من أحكام الدين.. هذا أمر يدمي القلب والله، فالعادات والتقاليد أصبحت تقدس ويفكر بإرضائها الكثير، ولا يكترثون لإرضاء الله أو الالتزام بالإسلام. نفتخر باللاتي يلتزمن بحجابهن وبحشمتهن فوق أي أرض وتحت أي سماء، أهنئهن وأهديهن كل أوسمة الشرف والود.. وخالص الدعاء لكل فتاة ضلت الطريق بأن يهديها الله، ويشرح صدرها للحق، جزيت خيرًا.. موضوع يستحق النقاش والاهتمام»، فيما يعلق الأستاذ حسن العمري قائلاً:
»خروجها عن طاعة ربها وطاعة وليها لهو أول مسمار في نعش الحشمة.. لا أكثرهن الله وهدى ضالاتهن«، بينما تقول عبير:
«لأن العباءة من المجتمع وليست من الدين في شيء، وأهم من العباءة هي (صفة العباءة).. متى ما توفرت هذه الصفة تحقق اللبس الإسلامي». ويقول مرهف الحرف، الأستاذ طارق العنزي:
»لأن العادات أقوى من الدين، وثقافة العيب أشد من الحرام. وهذا نتاج مجتمع يخاف الخلق أكثر من الخالق«. وختامًا أخترت رد أبو فيصل كنهاية للمقال المفتوح النهاية:
»لأنهم يعتقدون أن الدين داخل المملكة العربية السعودية فقط«!