خذوا تصنيفاتكم.. ودعوا لنا الوطن!
الاثنين، ٧ أبريل ٢٠١٤
لا يمكن أن تُثمر النخلة حنظلاً لأن من غرسها ليبرالي لم يذكر اسم الله عندما وضع نواتها الأولى، ولا يمكن للعوسج أن تثمر بلحاً طيّباً لأن الإسلامي نفث عليها بعد أن زرعها على الطريقة الإسلامية، مثلما أن التحرر المُطلق لن يُخرج النفط من باطن الأرض، فإن المواعظ والنصح وحدهما لن يُصلحا عطل الآلة، الآلة بحاجة إلى خبير أو فني فقط، هي لا تُفرق إن كان المُصلح صلّى ركعتي استخارة واستعان بالله قبل العمل، أم أتاها مثقلاً ضيّقاً حرجاً كأنما يصّعد به إلى السماء!
ما الداعي لهذه المقدمة التي تحاول أن تكون وعظاً وتفشل؟ السبب هذه الأصوات العالية التي طربت للتصنيف حتى أضحت توزع الألقاب الجاهزة والمعلبة على من تشاء، بل وصل الأمر لأن يصنف البعض أنفسهم، وما حكاية الفئة المنصورة عنّا ببعيد، المؤلم في هذه الحكاية (السحيقة) عندما يكون التصنيف متلبساً رداء الوطنية، فكل (شلة) تلعن أُختها لأنها تشكل خطراً، فمثلاً من يدّعي (اللبرلة) يتّهم الإسلاموي بأنه يشكل خطراً على (الوطن)، ومن يدّعي التوجه الإسلامي يتّهم الليبرالي بأنه خطر على (المجتمع)، قلت (يدّعي) لأن الشتيمة والتخوين والتأليب ليست من أخلاق (الرجال) الأسوياء، فمن يعتقد أنه يحب الوطن أكثر من الآخرين فهو واهم، ومن يجزم بأنه يخاف على الآخرين من عذاب جهنم أكثر من أنفسهم فهو يحلم بمجتمع ملائكي لن يجده، والمشكلة الأعمق أن خطر التصنيف ليس محصوراً بين هؤلاء الذين استحلوا تصنيف البشر مستغلين ألقاباً علمية أو اجتماعية، المشكلة أن التصنيف يسير سريعاً في طريق الظاهرة، فوصل لشبّان لم يبرحوا ساحة الثانوية بعد، وتجدهم يحذرون بحماس من خطر فلان لأنه ليبرالي تغريبي، وفلان الشيعي صاحب الأجندة الفارسية الكارهة لكل ما هو عربي، ثم يستمر خلط الدين بالسياسة والتاريخ بالمنطق، فكأن الشيعي صاحب المتطرف (ياسر الحبيب) هو أنموذج المذهب الشيعي كافة، وفي المقابل هناك من يحاول أن يختزل المذهب السني في أنموذج (داعش)، وفي هذا الزحام من التصنيف يكون المجتمع مجتمعات، ويكون للوطن درجات من المواطنين، وهنا أخشى من البسطاء الذين يرددون ما يقول كبراؤهم أكثر من خشيتي من أولئك المؤدلجين الذين يتعمدون تقسيم المجتمع لخدمة أجندة معينة أو لتسويق أنفسهم كحُماة المجتمع أو كأشخاص يحبون الوطن أكثر من الآخرين، هؤلاء لن يستمروا طويلاً، لأنهم في داخلهم يشعرون بالانفصام بين ما ينادون به وبين ما يدركونه جيداً، لكن البسطاء الذين استطاع أحد الفريقين أن يخدعهم ويؤمنون أنه صاحب القضية العادلة والمناضل الفذ فإنهم يكونون مخلصين لآرائه أكثر من إيمانه هو بما يقول، فالتابعون يدافعون ببسالة واستماتة للذود عن ما يقوله المنظّر بعد أن أقنعهم بأن من يعارضونه هم من لا يريدون بالناس والوطن خيراً، ومع مرور الوقت والمزيد من التهييج والتصنيف يكون التابع مؤمنا بأنه صاحب قضية، وأن نصف المجتمع يتربص بالنصف الآخر، بل إن كل فئة وإن صغرت لها كثير من الأعداء وتضيق الدائرة تدريجياً وتكون الفئة فئات، وكل فئة ترى أنها الأكثر إيماناً وأعظم وطنية، قد يقول البعض إنني أهوّل الأمور، ولكن بنظرة سريعة على مواقع التواصل الاجتماعي (تويتر مثلا) تجد ما يُصطلح على تسميتهم (بالهوامير) الذين يتابعهم مئات الآلاف إلى الملايين، تجد هؤلاء المُتابَعين بضاعتهم هي التشكيك ورمي التُهم وشتم من لا يتفق معهم في أيدلوجيتهم، وهؤلاء ليسوا نكرات بل أكاديميون ومثقفون ودعاة، وإن قال قائل إن مواقع التواصل الاجتماعي لا تعطي صورة حقيقة عن المجتمع فبإمكانه أن يرتاد أي مجلس بغض النظر عن المستوى العلمي أو المعرفي لرواده، فسيجد أن التصنيف حاضراً بلغة مبرمجة، فبمجرد ذكر اسم شخص ما يأتي من يلفظ آلياً: (جامي، ليبرالي ...) وإن قال قائل: وما يضيرك ذلك؟ أقول لا يهمني ضجيجهم وألعابهم اللغوية السخيفة، أنا فقط أريد أن يمارسوا بهلوانيتهم بعيداً عن «الوطنية»، إن كنتم تصنفون غازي القصيبي ليبرالياً فمرحى بليبرالية تخدم الوطن، وإن كان عبداللطيف آل الشيخ (جامياً) فاتونا بعشرةٍ مثله!