غواة يتبعون المادحين

ما إن تظهر فقاعة خلاف على سطح الأحداث العربية - بسيطة كانت أو عظيمة - إلا وينبري لها الشعراء المادحون الذامون من الجهتين بسيل من الأبيات الناشزة، مستحضرين ثقافة الجاهلية في الفخر والذم والهجاء.
وكانت آخر تلك الأحداث ما حصل بين الدول الخليجية من خلافات أدت إلى سحب سفراء السعودية والإمارات والبحرين من دولة قطر.
لقد «فزع» الشعراء والمستشعرون بقصائد بعضها يقض المضجع، وبأسلوب شر مقزز يذكرنا بشعراء جهل كانوا قمة في الفجور عند تصوير خصومهم.
شعراء يمتلكون سليقة الشعر النبطي، الذي يُحسنه معظم الأعراب، ولكن أغلب ما يصاغ فيه لا يكون متوازناً، ولا يحتوي من التهذيب ما نرجوه لتنمية ثقافة أطفالنا وشبابنا.
كلمات تتهاوى كالشهب فتقشعر لها الأبدان، وتنكرها الروح الإنسانية المؤمنة المطمئنة.
ويصدح شاعر بلسان وطن معين وهو يمتطي صهوة البذاءة، ويرد عليه شاعر ملسون بسهام ملتهبة من قلب الصف المقابل، وكل منهما يبحث عن مواطن العفن فيعمم القضية على الشعوب، ويزرع الخلاف في الأنفس، ولا يراعي حرمة أو أخلاقا.
وللأسف الشديد أن وسائل التواصل الاجتماعي قد ساعدت على توصيلها لكل بيت، بالصوت والصورة.
ويتساءل أحد المنتشين بالنصر: «ما سمعتوا أيش قال شاعرنا الصنديد فلان أشهد إنه نشمي». ويرد عليه آخر: «والله والنعم فيه لقد ألقمهم حجراً، وعرفهم قيمتنا، ومسح بكرامتهم الأرض». ويرد من له أقارب هناك بخجل: «الوضع ما يسوى، والسياسة تروح وتجي، وهم يبقون أهلنا وربعنا». ويأتي الرد الحارق ممن في قلبه مرض: «والله إنك نايم في العسل ما سمعت رد شاعرهم المريض على شاعرنا؟». ويكمل «رغم إني ماني معه، لكن أشهد إنه ما خلى فينا ولا بقى».
وترتفع وتيرة هذه النقاشات، وتحرق القلوب والمشاعر بالكره، الذي لا ينقصنا!.
وما يتضح للمراقب أن هؤلاء الشعراء المادحين لا يقولون الأبيات ثم ينامون ملء أجفانهم عن شواردها، بل إنهم يسهرون هم أيضاً ويقتتلون بعد أن تصبح كلماتهم لقمة عيش جزلة لهم، فلا ينامون ليلهم ويظلون يطوفون بالقصور والمناسبات يستعيدون ما قالوه، ويضاعفون من جرعات الحماسة والبذاءة ليزيدوا السامع لذة، وللعجب فهم بقدر ما يسهبون ويقذعون يقبضون، فتزداد وقاحتهم وشراهتهم، وإصرارهم على توطين عنصرية وجاهلية قميئة لا تعرف رائحة الأخلاق.
ولربما تنقشع الأزمة السياسية بعد ذلك على خير، وبنتيجة معاكسة لما توقعه الشعراء، وعندها فلا عجب أن ينقلب حال الشاعر منهم كلية، وأن يعود لارتجال قصائد المديح ويناقض بها قصائده الأولى وهو يستعد للسفر للدولة، التي كان قد فجَر في وصفها، وجار على أكارم أهلها.
فلا تستغربوا من حال المادح في مجتمعنا، حين تجدونه منتصباً في قصر من حقره بالأمس، ليكيل لصاحبه من المديح الكاذب ما يسد به عنان السماء.
وقد يقال إن بعض الكتاب يقومون بنفس ما يقوم به الشعراء، وهذا واقع لا ينكره عاقل، فالكاتب إذا لم يكن محترماً، موضوعياً في طرحه، محدداً للخلل ومستدلاً بالوقائع العقلانية والمراجع، فإنه يغدو شاعراً رخيصاً جاهلاً يتغنى بأبيات منثورة.
ثقافة الاختلاف المحترم يجب أن تكون أولوية، ولا مانع من أن نواجه مخالفينا بالحقائق، ولكن دون تقليل من القيمة، ولا تعميم في الحكم على وطن بأكمله، بسبب فعلٍ حكومي سياسي قد لا يوافق عليه أغلبية المواطنين هناك.
الجاهلية يجب أن ترحل، والتلذذ بأذية الآخرين يجب أن يُرفض من المستمع الفطن، الذي يحترم نفسه، لمعرفته أن مادحه اليوم هو أقرب ما يمكن أن يصبح ذاماً له في الغد، فلا يكون غاوياً يتبع الشعراء المادحين، ولا يتناقل ما ينشرونه من الكره والحقد، والعنصرية، والفوقية، وانعدام الإيمان والإنسانية.
تناقضات أحفاد المتنبي، والحطيئة من الشعراء والكتاب يجب أن يكون لنا فيها درس وتوقف، فكم لُدغنا من نفس الجُحر مئات المرات، واستمرأنا السم، وصرنا ننتظر الجرعة الجديدة بإدمان وتشويق مرضي.