مع الطير المهاجر عبر ربوع نجد
الأربعاء، ٢٤ ديسمبر ٢٠١٤أعادت الأخبار عن الرحلات الموسمية للطيور، ذكرى قصة أثارت الاهتمام فترة من الزمن، وذلك لما لهذه الكائنات الرقيقة منها والكواسر من علاقة مع الإنسان وشغف بتتبعها، لأغراض شتى.
في أحد المواسم الشتوية السابقة، وعلى بعد 200 كلم شمال منطقة القصيم كان بضعة شباب يخيّمون في البرّ الممتد بين نفود “حائل”، مستمتعين بطقس خلّفه المطر المصحوب بالبَرد. في ذاك الموسم من نزول الأمطار الشتوية التي تروي عطش الصحراء بعد صيف طويل، تركت الأمطار بعد توقفها تلال الرمال مسجاة صالحة لأغراض ممارسة رياضة “التطعيس”. و”التطعيس” أو ارتقاء الكثبان الرملية المرتفعة بواسطة السيارات هي رياضة تجمع بين الطابع الشعبي والحديث، وتستمد رواجها ويتركز نشاطها في هذا الموسم.
في فضاء هذه البقعة رفع أحد الشباب بصره إلى السماء فوجد نسراً من نوعٍ لم يألفه من قبل في المنطقة، وهو الخبير ببواطن أمور الصيد والقنص وفرائسه، كما أنّه تبقت عدة شهور أخرى من عودة الطيور إلى أوكارها سالكة نفس الأجواء، فأصرّ بعدها بمعاونة رفاقه على اصطياد النسر. ففعلوا ووجدوا الطائر غريباً نوعاً ما، اعتقدوا للوهلة الأولى أنّه قد يكون محمّلاً بأجهزة تجسس، وقد زاد من تعميق هذا الاعتقاد في نفوسهم أنّهم وجدوا رمزاً من أحرف وأرقام على إحدى رجليه. ومنذ تلك اللحظة التي تم فيها اصطياد النسر، أصبح مادة حية لكمٍّ كبير من الحكايات الالكترونية.
وبالرغم من أنّ الهيئة الوطنية للحياة الفطرية قامت بتبرئة النسر وأوضحت أنّ ما وجد بقدمه هو عبارة عن جهاز مثبت يستخدم للتتبع عبر الأقمار الاصطناعية لمراقبة هجرة الطيور لأغراض الأبحاث والدراسات، أصرّت العديد من الجهات على أنه أداة تجسس لا ينبغي تمرير حكايته بهذه السهولة. ولكن جاء توضيح آخر بأنّ هذا ليس الطائر الأول الذي يُرسل ضمن مشروع تتبع الطيور لأهداف بحثية، وإنما هناك سبعة طيور من فصيلة النسر الأصلع خضعت لذات التجربة خلال السنوات الماضية. وبينما وقع هذا النسر في الشرك فُقد الاتصال بالبقية في رحلة عودتهم من شتوية أفريقية دافئة.
وعبور الطيور ليس بغريبٍ على المنطقة بل هو في حكم المألوف، والميزة التي جعلت من الجزيرة العربية معبراً في طريق الهجرة الموسمية للطيور هي أنّها تقع بين ثلاث مناطق جغرافية حيوية. وتبدأ رحلة الطيور من أوروبا شمالاً في شهر أغسطس إلى أكتوبر متجهة جنوباً إلى أفريقيا. ثم تكون العودة كذلك عبر أجواء المملكة العربية السعودية من شهر مارس إلى مايو.
ما زالت الطيور شغل الناس منذ أمد التاريخ، ولعل أشهر طائر في التاريخ هو الهدهد، وقصته التي حملت الكثير من الحكم والمواعظ حكاها القرآن الكريم في سورة النمل. وكيف أنّ سيدنا سليمان عليه السلام كان يتعامل مع جنوده وذلك في قوله تعالى: “وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (20) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (21) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23)”.
علاقة الإنسان بالطيور بدأت منذ فجر التاريخ الذي يُظهر أنّها لعبت دوراً مهما في حياة الإنسان. وساعدت الطيور الإنسان بطرق عديدة كما تم استخدامها في الرسائل مثل الحمام الزاجل منذ القرن السادس قبل الميلاد من قبل ملك فارس للتواصل عبر إمبراطوريته. وتم استخدامه حتى وقت قريب كمرسال أيضاً في المعارك خاصة خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، في نقل الرسائل من خلف خطوط العدو، مع تزويدها بأجراس في رقبتها، فعند هبوطها تصدر صوتاً معلنة وصول الرسالة فيتلقونها ويبعثون بها إلى المراكز الحربية بالتلغراف أو التليفون. تطور الزمن بشكل سريع ولكن ما زالت التكنولوجيا الحديثة تتبع الطيور لتظفر بشيء من أسرارها ودقتها.