إنتاج الهوية في إسرائيل أفضل مما هو لدى العرب..!
الأربعاء، ٢٤ ديسمبر ٢٠١٤
نكتب بصورةٍ زائفة عن أزمة الهويّة في المجتمع الصهيوني على النحو الذي نُدغدغ به مشاعرنا التي طالما اقتاتت على الوهم وحده! فيما الحقيقة تأتي بخلاف ما كُنّا نتطلّع إليه من محض أمانيّ لا تزيدنا إلا نوماً في عسل (التّخدير) إيديولوجيّاً إذ إنّ من يُعنى بالشأن الإسرائيلي ولو لِماماً يُمكنه أن يُدرك حجم الكذبة الكُبرى التي ما برحت النّخب الزائفة تَجْهد في التّرويج لها بين فشلٍ عربيٍّ وآخر، ثّم لا تلبث أن تشيع فينا ما بين هزيمةٍ وأخرى وهماً هو الآخرُ يمنحنا فرحاً احتفاليّاً بتفكّكٍ داخليٍّ من شأنه أن يُهدّد بِنية المجتمع الصهيوني ليُحارب بالتالي: “إسرائيل” بالإنابة عنّا!.. وتلك الكذبة الكبرى هي التي تعرفونها قبلاً وهي التي ما انفكّت تنصُّ بالمطلق على أنّ إسرائيل: (تعاني أزمة هويّة شاملة تتصل بطبيعة تكوينها كخليط عرقي إثني متعدد، حيث يُمثل اليهود الشرقيون حوالي نصف يهود إسرائيل، والنصف الآخر من اليهود الغربيين الذين جاؤوا من حضارات مُختلفة عن الحضارات الشرقية)! ولو أنّ شيئاً قليلاً من هذا التنظير قد احتفّ بـ:”إسرائيل” حقيقةً/ وواقعاً فلربما أنّنا قد انتهينا من الوجود الإسرائيلي مذُّ أمد ليس بالبعيد.! وليس بخافٍ أنّ الاشتغال الصهيونيّ على إعادة إنتاج هويّة: “قوميّة يهوديّة” تستمد رؤاها ثانيةً من مصطلح الصهر الذي حدّده: “ديفيد بن غوريون” قائما اليومَ على قدمٍ وساقٍ وعلى وجهٍ أتاحت له إمكانات: “المجتمع الصهيوني” العمل على تكريسه ثانيةً لصهر مجتمعهم بأكمله في منظومة واحدة موحدة “القوميّة” بعيدا عن الهويات المتعدّدة التي جاء بها اليهود من مختلف بلدان العالم ابتغاء الظفر بقوميّة يهوديّة نقيضاً لمفهوم اليهودية ذات البعد الديني/ الضاربة بجذور عقديّة ملتاثة بالتحريف.!كما وأنّ التعويل على أن: “المجتمع الصهيوني” تتلبّسه حالاتٌ من الإرباك إذ تّقلق سِلمه الاجتماعي وذلك بما آل إليه حزب العمل الإسرائيلي وتحوّله تاليا - حسب تعبير أحدهم - إلى: “ليكود ب” وإلى حزبٍ انتهازي بامتيازٍ وتأتي برفقته بقية أحزاب ما بات يُسمى أخيرا بـ: “اليسار الصهيوني”!
إنّ مثل هذه القراءة الممعنة في اختزال الحقيقةِ بحالةٍ واحدة لا تعكس المشهد: “الإسرائيلي” بمجموعة أطيافه وإنّما تُعدُّ قراءةً تأتي من قبيل الضرب بريشة “الأماني” على أوتار العاطفة والتي لا تختلف بالمرّة عن سابقتها ولا يُمكنها بأيّ حالٍ أن تستقيم مع واقع: “إسرائيلي” يتعذّر تغطية شمس نجاحاته بغربال ما نوّده ذلك أنّ ما نتمنّاه شيءٌ يستقرّ في الأذهان وسُرعان ما ينمحي فتجفُّ أحبارُه ! بينما واقع: “المجتمع الصهيوني” أشياءٌ تستقر بالأعيان وتمضي نحو ما تُريده نُخبهم “المُفكّرة” من صناعة: “إسرائيلهم الكبرى” وَفق أبعاد هويّة تحفل باليهوديّة قوميّةً ناجزة/ متحرّكة لا محض معتقد سيوتارخي/ ثابت.! والخارطة الإسرائيليّة سياسياً هي الأخرى تدفع بهذا الاتجاه الذي قد يُحيل حلم: (دولة يهودية من النهر إلى البحر) من: “الأيديولوجيّة العقديّة” إلى حقيقةٍ تصنعها - اليوم أو غداً - قوميّة يهوديّة شأنّها أن تنأى بهم عن وهم التّعرض لأزمة قيميّة تتسبّب في انقسامهم!!
من هنا باستطاعتنا القول: إنّ أيّ مقارنةٍ ما بين المجتمع” العربيّ” وبين المجتمع: “الصهيوإسرائيلي” في سبيل إعادة إنتاج: “هويّته” تلك التي تستكمل وجودها الثقافي بالوجود السياسي بمعنى أنّها تطمح أن تكون ذات قوة فاعلة في الواقع الاجتماعي بحسبان: “الهويّة” على التحقيق هي: “المجتمع” نفسه وهو وحده القادر- أي المجتمع- عملاً على إعادة إنتاج ذاته ولذلك فإنّه من المتعذر بالمرّةِ النظر إلى القوة السياسية بمعزل عن قوّة: “المجتمع” إذ إن هذا الأخير - ثانيةً - هو من يكثّف مشغولاته في سبيل استعادة سلطته على النحو الذي نشهده في: “إسرائيل” يومنا هذا!
ومهما يكن.. فإنّ مفهوم: “الهويّة” إذا ما ابتغينا تناوله بصورةٍ واعية فإنّه ليس يصحّ فصله عن المجتمع - ووفق تعبير أحد الدارسين - ليس يصح فصله عن المحل الاجتماعي الذي يعبّر عن القدرة السياسية للهوية.
إلى ذلك يتوضّح أنّ أي مقارنة فيما بين: “المجتمع العربي” و: “المجتمع الصهيوني” ستكون في صالح هذا الأخير الذي قد توافر محله الاجتماعي على كافة أسباب النجاح في: “إعادة إنتاج هويّته”. يقول الأستاذ أحمد حيدر- صاحب كتاب يحمل هذا العنوان: “إعادة إنتاج الهويّة” في معرض مقارنته ما بين المجتمعين ما يلي: “.. إنّ المحل الاجتماعي مفتوح في إسرائيل على نحوٍ ما فالمجتمع ليس مكبوتاً أي ليس محروماً من سلطته السياسية ولذلك نجد حس الهوية الصهيونيّة في حالة نمو فهم يبعثون لغة ويصنعون تاريخا ويكونون مجتمعاً.. أما المحل الاجتماعي في الأقطار العربية فهو مغلق والمجتمع محروم من ممارسة سلطته السياسية ولهذا نجد الهويّة العربية في تراجع رغم توفر المعطيات اللازمة لصنع الهوية فالمواطن العربي قد أُلقي في اليم مكتوفاً وهذا الوضع غير المتكافئ يُهدد الوجود العربي نفسه.”ا.هـ
كم نحن بمسيس الحاجة إلى مثل هذا الطرح - وإن كان موجعاً - شريطةَ أن نتخلّص من بعض ما استقرّ في عقلنا الجمعي من وصم: “المجتمع الإسرائيلي” بما هو ليس فيه.