حوادث المرور والعاصمة المقدسة

لقد أثبتت الإحصاءات الرسمية والدراسات العلمية بما لا يدع مجالا للشك أن مدينة مكة المكرمة العاصمة المقدسة من أكثر مدن المملكة العربية السعودية تعرضا لخطورة الحوادث المرورية إن لم تكن أولها. وسأعرض في هذه المقالة مؤشرات لهذه الخطورة مقارنة بغيرها من مناطق ومدن المملكة ودول العالم، ثم أعرج على الأسباب والنتائج والآثار ثم الحلول للتقليل من خطورتها. من مؤشرات خطورة الحوادث المرورية في هذه المدينة المقدسة دهس المشاة الذي يعد ظاهرة غير مسبوقة في مكة المكرمة قياسا إلى مدن ومناطق المملكة إذ يأتي في المرتبة الثالثة من بين أنواع الحوادث المرورية بنسبة 6.7% في حين أن هذه النسبة لا تتعدى 1% على مستوى الوطن وتبلغ 3.2% على مستوى منطقة مكة المكرمة و3.7% في مدينة جدة. وفي حين بلغ معدل الخطورة للإصابات والوفيات في مدينة مكة المكرمة 23 مصابا و7 وفيات لكل 11 حادثا نجد أن هذا المعدل لا يتعدى 6.1 مصابين ووفاتين لكل 11 حادثا على مستوى الوطن ومصابين و6.7 وفيات على مستوى منطقة مكة المكرمة. ومؤشر آخر يدل على خطورة الحوادث المرورية في مدينة مكة المكرمة هو معدل الحوادث لكل 11.111 نسمة إذ بلغ في مدينة مكة المكرمة 32 حادثا لكل 11.111 نسمة وهو معدل خطير إذا ما قورن بمعدله في منطقة مكة المكرمة (33) وعلى مستوى المملكة (32.7) ويشير معدل الوفيات لكل 11.111 نسمة من جراء الحوادث المرورية إلى ذات الخطورة، فقد بلغ في مدينة مكة المكرمة 66.6، في حين أنه يتراوح بين 32.3 على مستوى الوطن، و36.2 على مستوى منطقة مكة المكرمة، أما على المستوى العالمي فقد بلغ المعدل 6.3 في استراليا و 1.6 في المملكة المتحدة و1 في اليابان و6.3 في سنغافورة. ومما يشير إلى خطورة الحوادث المرورية في هذه المدينة المقدسة معدل عدد الحوادث لكل إصابة ووفاة إذ بلغ حادثين لكل إصابة واحدة في حين أنه تراوح بين 9 حوادث لكل إصابة في منطقة مكة المكرمة وحادثين لكل إصابة واحدة على مستوى الوطن وبلغ 7 حوادث مرورية لكل وفاة واحدة في مدينة مكة المكرمة و61 و76 حادثا لكل وفاة واحدة في كل المملكة ومنطقة مكة المكرمة على التوالي.

إن معدلات الخطورة لحوادث المرور السابق ذكرها تشير بجلاء إلى جسامة المشكلة التي تعاني منها هذه المدينة المقدسة إذ إن لهذه الحوادث الأليمة آثارا ونتائج سلبية تتمثل فيما تخلفه الوفيات والإصابات البليغة من مآس صحية واجتماعية ونفسية وإنسانية بالغة على الفرد والأسرة والمجتمع فيتيتم الأطفال وتترمل الزوجات وتفقد الأسرة عائلها الوحيد أحيانا ويصبح أفرادها عالة على المجتمع، وقد تتفكك الأسرة الواحدة وتنحل أواصرها وينحرف صغارها وغيرها من الآثار المعنوية على الفرد والأسرة والمجتمع. أما الآثار المادية والتنموية والاقتصادية فعديدة منها أن الوفيات والإصابات الناتجة عن الحوادث المرورية تحرم الوطن من خدمات وجهود المتوفين والمصابين بل وتشكل عبئا ثقيلا على الاقتصاد الوطني حيث ثبت أن الإصابات تستنزف الجهود الصحية وتشغل ثلث الطاقة الاستيعابية للمستشفيات الحكومية، كما قدر أن تكاليف الوفيات والإصابات في هذه المدينة المقدسة تزيد على 3 بلايين ريال سنويا.

أما عن أسباب ارتفاع معدلات خطورة الحوادث المرورية في مدينة مكة المكرمة فكثيرة لعل في مقدمتها طبيعة أرضها الجبلية وضيق وانحدار المسالك والطرق والشوارع بها واستقبالها للملايين من الحجاج والمعتمرين طوال العام وبشكل متزايد بالإضافة إلى الملايين من المركبات الداخلة والخارجة منها طوال العام لنقل المعتمرين والحجاج مما يشكل عبئا ثقيلا على طرقها وشوارعها ويزيد بالتأكيد من فرص وقوع الحوادث المرورية ويضاعف من خطورتها، ومن الأسباب التهور في قيادة المركبة والسرعة الزائدة وعدم التقيد بإشارات المرور وهي ظواهر سلبية يشهدها مجتمع مكة المكرمة دون سائر المجتمعات، وهي نتيجة غير مبالغ فيها ويلحظها كل من قدر له القيادة في مكة المكرمة وفي غيرها من مدن المملكة ليعرف الفرق الواضح، كما أنها نتيجة خبرة شخصية ودراسات سابقة في ذات الموضوع عن هذه المدينة المقدسة، ويكفي المشاهد العادي أن يقف عند تقاطع الطرق وعند إشارات المرور ليرى بنفسه المظاهر المؤسفة من قطع الإشارات الحمراء والتجاوز غير النظامي والأبواق المزعجة والسرعة الجنونية وغيرها من المظاهر الخطرة غير الحضارية.

ومن الحلول العملية للحد من خطورة الحوادث المرورية في هذه المدينة المقدسة والتقليل من نتائجها وآثارها الجسيمة تعميم نظام ساهر على الطرق وعند تقاطعات الشوارع لثبوت كفاءته عالميا وإقليميا ومحليا في الحد من أعداد وخطورة الحوادث والمخالفات المرورية مما تشير إليه دراسات علمية موثقة على كافة المستويات. ومن الحلول الناجعة الأخذ بنظام السجل التاريخي للسائق (نظام النقاط) وإيجاد برامج إعادة التأهيل للسائقين المتجاوزين للحد الأعلى من النقاط مع التوعية بمخاطر الحوادث المرورية بكافة الوسائل الإعلامية في كافة المراحل التعليمية والنوادي الثقافية والرياضية. هذا بالإضافة إلى تشكيل وحدات عمل متخصصة في إدارات المرور المحلية لدراسة ومعالجة المواقع التي تتكرر فيها الحوادث المرورية الخطيرة في المدينة وخاصة تلك التي ينتج عنها دهس المشاة والوفيات والإصابات الخطيرة، وأن يشارك في هذه الوحدات مختصون من الإدارات الأخرى المعنية كأمانة العاصمة المقدسة وإدارة الطرق وغيرها.

naser.a@makkahnp.com