الشجرة عمّتنا العتيدة

تمثّل الشجرة أنموذجًا أعلى في الفكر الإنسانيّ عامّة، فهي حاضرة في واقع الإنسان، موضوعًا غذائيًّا وعلميًّا وثقافيًّا ودينيًّا وأسطوريًّا، ولا يخلو طور من أطوار حياته من الاتصال بها.
فقصّة الخلق الأولى تثبت للشجرة حضورًا فاعلاً في حياة الإنسان في الجنّة الأولى، فقد عاش في نعيمها حتّى أكل من الشجرة المحرّمة، إغواء من إبليس بأنّها شجرة الخلد وملك لا يبلى، فرمزت إلى المعرفة المطلقة، وبها عرف الإنسان ذاته، حين عرف اللذة ومارس الاكتشاف، ودفع ثمنًا باهظًا لقاء ذلك؛ ليبدأ رحلة ستر العورة التي انكشفت، في دلالة ظاهرة على أوّل معاناة المعرفة والوعي. فأخذ هو وزوجه يخصفان عليهما من ورق شجر الجنّة، فالشجرة إذًا هي التي فضحته، وهي التي غطّته.
وهي باقية على امتداد وجوده يعتاش عليها في دنياه، في بقائها بقاؤه، وفي موتها فناؤه، أمّا التجلّي الأرقى للإنسان فيكون في بلوغه سدرة المنتهى، حيث جنّة المأوى، وهكذا جاء نموذج الشجرة في القرآن الكريم رمزًا لبلوغ قمّة االتطوّر الروحي في الوصول إلى الله.
كذلك فإنّه يأمل أن ينال خيراتها في أخراه، إذ هي أرقى ما يوعد به من الخير، فالجنّة في أبهى صورها المعهودة هي تجلّيات عديدة من الخيرات المتمثّلة في أشجار من النخيل والأعناب والرمان، وغيرها من صنوف الفاكهة وأنواعها، تملأ جنّات تجري من تحتها الأنهار.
من هنا يتبيّن لنا أنّ الشجرة تغلّف بوجودها كينونة الإنسان من المبتدأ إلى المنتهى، وتتلبّس بها حياته من أول الخلق إلى مراحل النشأة الأخرى في عالم البعث والنشور، فكلّ تجلّ حقّقه الإنسان في ماضيه أو كلّ وجود يعيشه في واقعه، أو كلّ حلم يأمل بتحقيقه في قابل أيامه يراه في نموذج من نماذج الشجرة. إنّها بذلك عمّته العتيدة، سابقة على خلقه، ولعلّها باقية بعده، أو هي خالدة معه ما دام عهده.