بين الطائف والنصر!

مدينة الطائف التي أعرفها في طفولتي ليست هي الطائف اليوم. وكنت أعرف واديا يقال له وادي الغدير على ما أذكر. كانت المياه تنساب من أعلى الجبل وكأنها الشلال النزق الذي يتطاير رذاذه على أجسادنا فتشنف آذاننا بصدى ذلك الخرير الذي يضفي على المكان بهجة وسرورا.
جفّ الغدير اليوم وتوقف الشلال وأصبحت الطائف بلا غديرها. فهي المدينة التي فقدت أجمل جواهرها وحليّها. وكنت أرى كذلك ومنذ طفولتي أيضا أن الدوري السعودي يعد ناقصا دون اكتمال أضلاعه الأربعة (قبل مرحلة الشباب)، فإن ابتعد الاتحاد أو ضعف النصر أو مرض الأهلي أو غاب الهلال، فذلك يعني افتقاد الدوري لأغلى جواهره وحليّه وحلاوته ورونقه.
وبعودة النصر المظفرة إلى واجهة البطولات في هذا الموسم، فهو الخبر الذي يمثل ـ بالنسبة لي على الأقل ـ الخبر الجميل الذي يقول: لقد عاد غدير الطائف للجريان بين السهول والجبال والوديان.
النصر هو ماء الدوري السعودي، إن غاب عطشنا، وإن حضر ارتوينا، وإن عاد ببطولتين من الوزن الثقيل: فاض الماء على المدرج، وتطاير الرذاذ على المتابعين، وامتلأت الساحة الرياضية بالبهجة والإثارة وبصدى صوت الشلال داخل كل منزل كروي.
النصر كيان الصابرين، فحين أتذكر تلك اللقطات الحزينة للجماهير التي كانت تلتحف الشالات وتغطي وجوهها خوفا من رصد الكاميرات بعد إحدى الهزائم المريرة، أقول اليوم:
«اكشف وجهك يا هذا.. وقل لكل الدنيا: أنا الإنسان العالمي ولا فخر..».