مخيم الزعتري سجن لابد منه

لا يجد اللاجئ السوري أبو علي الشامي ما يصف به حال اللاجئين في مخيم الزعتري بالأردن، إلا بأن الناس صنعوا من الموت حياة. فداخل تلك الكرفانات البيضاء المتلاصقة بالمئات على أرض منبسطة في مدينة الزعتري “تبعد 80 كلم عن عمان”، كيّف الناس أوضاعهم لكي يبقوا أحياء، معتمدين على ما يصل إليهم من مساعدات ومعونات “داخل هذا السجن الكبير” على حد وصفه.
على الرغم من منع دخول غير اللاجئين إلى المخيم المحاط برجال من الأمن الأردني وله مدخل أساسي واحد، فإن أبو علي الذي كان يسير مع أفراد أسرته لزيارة أقارب لهم، لم يمانع بأن يساعد “مكة” على دخول المخيم للاطلاع على حال الناس فيه، وذلك من خلال التستر بحمل أحد الأطفال وتجاهل رجال الأمن والرد عليهم إن هم سألوا عن الهوية بحجة نسيانها في البيت.

حراسة الأطفال

على مشارف المدخل المؤدي للمخيم، كان المشهد متفاوتا.
رجال أمن على الأبواب وأطفال سوريون مشردون على ردهات الطريق يلهون تارة، ويرمقون المقبلين أخرى.
المشاهد خارج حدود المخيم متناقضة.
فعلى امتداد الطريق المؤدي للزعتري وقبل بوابته، بنحو 2كلم، يصطف أطفال عربات صغيرة يحملون بضائع اللاجئين، وآخرون اخترعوا لأنفسهم عملا وهو حماية مركبات الزائرين من عبث أطفال مثلهم، مقابل حفنة من النقود.
في هذه الأثناء وصل زائر، وما إن ركن سيارته وترجل منها حتى اقترب إليه طفل قائلا: هل أحرس لك سيارتك؟

الرجل: لا تحتاج لحماية فرجال الأمن موجودون.
الطفل: أريد حمايتها.
الرجل: شكرا لك.
الطفل: إن لم تجعلني أحرسها سأكسر زجاجها أنا وأصدقائي! يتداخل طفل آخر: أريد مبلغا من المال، فوالدي قتل وأخي أسير، وأنا أطعم والدتي وشقيقاتي.
الرجل: المخيم يوفر لك الطعام والشراب وكافة المستلزمات.
يجيب الطفل: لا يكفي.
وبعض الأطفال أيضا يظل يستدر عطف الزوار للحصول على المال، بعبارات الموت والأسر والبتر.
وفي موقع آخر يركض طفل مناديا “تهريب.. تهريب”، قاصدا بذلك الأكل والأجهزة والأدوية التي تهرب إلى المخيم، مستغلا طفولته وصغر سنه للدخول والخروج من البوابات للحصول على ما يريد.
إلا أنه في بعض الأحيان، يحصل ما يشبه مطاردات ومصادرات بين الأمن والأطفال “المهربين” وتتم مصادرة المواد المهربة، خصوصا ألواح المعدن التي يحولها اللاجئون إلى أبواب.

أرض قاحلة

قبل الوصول إلى البوابة الرئيسة، طلب الشرطي الإثباتات الشخصية وكان الرد عليه ادعاء نسيانها.
صمت للحظة، ثم أذن بالدخول سيرا على الأقدام، قائلا: “عليك إقناع من على البوابة بإدخالك”.
الأمر نفسه تكرر عند الحاجز الأمني الثاني، وسمح لنا بدخول المخيم محددا الزمن بنصف ساعة، بعدها تتوجب علينا المغادرة حيث لا يخرج أي فرد إلا بعد عرض الإقامة ذات اللون الأبيض.
دخلنا إلى أرض قاحلة جرداء.
وعلى قارعة الطريق، استوقفنا رجل مسن امتهن الصرافة.
ويصفه أهالي المخيم بأنه الأفضل بين البقية، إذ كان يقدم مقابل الدينار الأردني 216 ليرة سورية.
وفي زاوية أخرى وأمام مقر الأمم المتحدة بجوار المستشفى الميداني المغربي للجراحة، والذي أغلق أبوابه، وعلى جنبات الطريق الرملي أقام اللاجئون عددا من أشباه محلات للمواد الغذائية وبقالات للحلويات والمكسرات وألعاب أطفال ومحلات آيس كريم ومقاهي ومحلات تصوير.
وفي مساحة فارغة يمارس بعض الأطفال هوايتهم التي لا تتجاوز كرة القدم، وعلى أنغام أغان صاخبة تصدح في المكان، مما يشعر الزائر أنه ذاهب في نزهة.
لكن ما إن يتعمق أكثر ويبدأ بالاستماع إلى حكايات اللاجئين عن معاناتهم، يدرك أن تلك المظاهر غلاف للمآسي.

أفضل ولكن

ويشير النازحون إلى أن وضع السكن تحسن أكثر من ذي قبل، فأصبحوا يسكنون غرفا جاهزة “كرفانات” بعد أن كانت الخيام تؤويهم، رغم أن الغرفة الواحدة يقطنها عشرة أشخاص تقريبا، إلا أنها في نظرهم أفضل من السابق.
حتى أن بعضهم رتبوا الكرفانات على غرارا المنازل الدمشقية، إذ وضعوا 10 كرفانات بشكل متلاصق، وأبوابها المتحاذية تفضي كلها إلى مساحة واحدة، وجعلوا لها بابا من التنك، وتشاركوا في المطابخ ودورات المياه التي علقت عليها حرامات لتستر من يدخلها بدلا من الأبواب، ولقمة العيش التي لا تكفيهم - على حد وصفهم.
فرب الأسرة يمنح كوبونا بقيمة 24 دينارا شهريا، أيا كان عدد أفراد من يعولهم، في حين أن أسعار الغذاء داخل المخيم مرتفعة، وكذلك المراكز التجارية التي حددتها الأمم المتحدة تبيعهم سلعا ثمنها 18 دينارا بـ24 دينارا.

ماء وأمل

في ممر فرعي يتوقف صهريج ماء يحمل عبارة “صالح للشرب” يحضر بشكل متواصل لسد احتياج اللاجئين من المياه.
وما إن يصل الصهريج حتى ترى أناسا؛ أطفالا ورجالا ونساء، يركضون خلفه، حاملين “الأسطل” لملئها.
وتلخص أم هيثم التي كانت تعمل مدرسة في بلدتها بريف دمشق الوضع بالمخيم قائلة: الحياة في الزعتري إما سجن برغبة الظروف أو راحة لمن لا يريد العمل والبحث عن مصدر رزق بانتظار العودة إلى الوطن.


.. ومشاكل صحية بالجملة

داخل مخيم الزعتري للاجئين السوريين، حول متطوعون بعض الكرفانات إلى ما يشبه مركزا صحيا يستقبل ما بين 400 و500 حالة يوميا، وذلك نتيجة لنقص الرعاية الطبية.
ويروي الممرض السوري محمد حريري من داخل المركز -الكرفان، رحلة عملهم الإنساني قائلا: بدأنا كمجموعة من المتطوعين، العمل في المخيم دون ترخيص حتى جاء أمر بإغلاق المركز، لأن الكادر الطبي غير أدرني ولا يوجد تصريح رسمي لمزاولة عملنا.
وعلى الرغم من وجود كوادر طبية وفنية سورية متطوعة، اشترطوا علينا الحصول على تصريح وجود أطباء وصيدليين وممرضين أردنيين برواتب.
وأضاف: بعد محاولات وجهود، حصلنا على ترخيص من جمعيات أردنية وعدنا لممارسة العمل لكن دون دعم مادي ودون مقار مخصصة، فحولنا بعض غرف الكرفانات إلى عيادات لاستقبال المرضى والمراجعين ولاسيما أن المرضى يخرجون من المستشفيات الأردنية قبل تمام شفائهم.
وعن الكادر الطبي أوضح حريري، أن كل العاملين في التطبيب والجراحة متطوعون، فيما يتم منح الأدوية بـ”القطارة” لعدم توفر الكميات الكافية للاجئين وعدم السماح لحملات الإغاثة بتقديمها، الأمر الذي يتطلب السماح للشركات الأجنبية بتوفير الأدوية.
وقال: قدم أطباء سوريون من أمريكا وتمت مصادرة ما بحوزتهم من أدوية في المطار.
وعن المصاعب التي يواجهها الكادر الطبي، قال حريري: استطعنا توفير العيادات، ولكن يصعب علينا الحصول على تمويل شهري لعيادة الأسنان رغم اكتمالها وتجهيزها، حيث نصرف شهرياً نحو 15 ألف دينار على الأدوية، لافتاً إلى أنه وخلال الشهر الماضي أخرجت 52 حالة من المخيم لتلقي العلاج بالحيلة لأن السلطات ترفض إخراج المرضى من المخيم وتطبيبهم خارجه.


نسوة يستبدلن وجع الغربة بالزينة

رغم مرارة الغربة وجراح التشرد، والمحاجر التي لم يعد لكحل الفرح فيها مكان، إلا أن الحياة تبقى في أعينهن حلوة وأن الشفاه على موعد مع الفرح يوما.
ذلك حال نسوة الزعتري اللاتي أبين أن يبقى الأسى على ملامحهن طويلا، هناك على جدار معدني إعلان غير مدفوع لمحل تزيين “كوافيرا”، محل لعرائس الغربة، وزينتهن.
في الزعتري يحاول الجميع الحياة، يبحث الكل عن الفرح وزغارديه.
في غرفة صغيرة وبأدوات بدائية ومقصات وأدوات زينة حُملت في حقائب الفارين من حرب الأعوام الثلاثة، بدأ العمل.
فيها تتجهز العرائس، وتعيد النساء لجدائلهن الحياة، ويحاولن بأحمر الشفاه ومستحضرات التجميل محو تجاعيد الأسى، يحاولن أن يضعن في المُقل كحلاً لم يترك الدمع له مكاناً.
في الزعتري يفتش الطفل عن لعبة يدحرجها ويركض خلفها، وفيه أيضاً يكدح المسن بحثا عن المال ليوفر لأسرته لقمة عيش، والنسوة هذه تحيك منسوجاً، وتلك تتزين ربما استعدادا للعودة لأرض الوطن.. القاسم المشترك بين الجميع “هناك أمل”.


الأردن يحتضن مليوني لاجئ

عدد اللاجئين السوريين في الأردن: إحصاءات الداخلية الأردنية: 1.3 مليون سوري، بينهم سعوديون من أمهات سوريات: 700 ألف كانوا موجودين قبل الأزمة كعمال ومستثمرين. 600 ألف هم اللاجئون.

إحصاءات جمعيات الإغاثة: مليونا لاجئ سوري والعدد مرشح للزيادة

المساعدات المقدمة: المساعدات تقدمها أكثر من جهة بينها مفوضية الأمم المتحدة ومنظمات وهيئات دولية. المساعدات تصل إلى ما بين 35% و40% من إجمالي اللاجئين. أكثر من 65% ليس لديهم مساعدات نهائيا.

ساعدات حكومية: خدمات غير منظورة كتوفير الأرض والأمن والتعليم والطبابة.
الطالب الأردني يكلف الدولة 500 دينار سنويا، والطالب السوري يحتاج الآن لمثل ذلك.
المواطن الأردني يكلف الدولة 400 دينار سنويا للعلاج، واللاجئ السوري يحتاج لمثله أيضا.

الحكومة الأردنية: طلبت ملياري دولار للإنفاق على اللاجئين حتى 2016. طلبت في مؤتمر المانحين بالكويت نصف مليار دولار لم يصلها إلا 123 مليونا فقط.

مساعدات المجتمع المدني: تقدم مساعدات لـ 600 ألف لاجئ مسجلين لديها. مساعدات غير ثابتة كبناء مستوصف أو إيواء أيتام

غير المستفيدين نسبتهم 70%، يوجد في الأردن: 5 مخيمات تؤوي 130 ألف لاجئ مليون و170 ألفا موجودون خارج المخيمات.

إشكالات تواجه اللاجئين: تكدس، ومشكلة بيئية، وأمراض مزمنة، وعدم تغطية العمليات الجراحية، ارتفاع إيجار المنازل. العملية الجراحية تصل كلفتها إلى 70 ألف دينار

الحل:استئجار طابق كامل في مستشفى بنحو 60 ألف دينار، اعتماد نظام الحزمة بـ 10 آلاف دينار للمريض

سوق سوداء: بعض اللاجئين يبيعون كوبونات الإعاشة لتلبية متطلبات غير الغذاء كالملبس والعلاج. برنامج الغذاء العالمي وضع كاميرات على الحملات لضبط عمليات التوزيع.

التقديمات:

- مفوضية اللاجئين: 100 دينار شهريا.
- برنامج الغذاء العالمي: 24 دينارا شهريا.
- الدول العربية: مساعداتها عينية وقليلة باستثناء بعض الدول.
- جمعيات خيرية أبرزها الجمعية الهاشمية بدعم من الحكومة.
- جمعية الكتاب والسنة تتبنى 300 ألف لاجئ بينهم سعوديون. اللاجئ المحظوظ يتلقى مساعدتي المفوضية وبرنامج الغذاء.

الحاجات:

- اللاجئ السوري يحتاج لكل شيء: المسكن والمأكل والصحة والتعليم.
- هناك لاجئون ينامون دون مأكل أو منزل أو علاج.
- 100 ألف أسرة مكتفية عن طريق عملها وإنتاجها.

المصدر: رئيس جمعية الكتاب والسنة الشيخ زايد حماد.