عبء وعقوبة

للتاريخ أن يعتب بلا حدود وله أن يغضب إلى ما لا نهاية على أمانات المدن والبلديات جراء طغيان انحيازها للاسمنت واهتمامها به على حساب الإنسان وعلى حساب سلامة البيئة أيضا.
وللتاريخ علاوة على ذلك أن يسجل في محطته الكبرى من العناوين أعرضها عن فشل غالب الأمانات والبلديات في معظم أرجاء الوطن في إيجاد «نقاط تجمع للناس وقت الكوارث أو الأحداث الطارئة».
وله أن يحدثنا عن كبيرها وصغيرها، ويقول بحسرة شل تفكيرها ترتيب قطع الأراضي ووزنها على الشوارع العامة والفرعية المهمة...، ومن خلف التاريخ يجوز أن نختلس المعلومة ونقول إنه على المستوى الأقل لم توفق جل البلديات وحتى بعض الأمانات في إيجاد المواقع التي يمكن أن يستخدمها الناس لممارسة رياضة المشي لتعزيز الصحة العامة، الموجود منها أتى متأخرا وقليل جدا.
والعتب هو نفسه ولكنه يتعلق هذه المرة بالأعمال البلدية التي أسهمت هنا وهناك في تشويه جمال طبيعة بعض الشواطئ التي استدعى شد وجهها فيما بعد عمليات كثيرة لتسترد الممكن من النضارة التي أفقدتها إياها عقلية الشؤون البلدية التي صَنَعت في مطبخها طبقا من الاجتهادات التي لا تطرب مد البحر ولا تروق لجزره.
وهي ذات العقلية التي استثمرت الشواطئ الجميلة لصالح «كيف» الشيشة والمعسل وفرغت في سياق اجتهاداتها الأحياء السكنية في الغالب من الحدائق العامة إما تجاهلا أو بواسطة نقل الملكية من العام إلى الخاص.
وهي نفسها التي تسفلت الشوارع وتنساها. طبعا الشوارع العامة والرئيسة خارج اللعبة وحفرها قليلة ولها أن تتغطرس على الشوارع الرثة المحشورة في داخل الأحياء.
لا يظن أحدكم أن هذا القول تسويق للسوداوية أو انعكاس لخيبة أمل مسببة...، أبدا، المسألة لا تتجاوز حدود المصارحة المأمول في أعقابها شيء من الانتباه وأخذ العبرة، لأن بلدا بوزن السعودية وإمكاناتها لا يليق به إلاّ كل جميل بل كل طاغ في الجمال والجودة، ولم لا؟ هذا السؤال الكبير المحرج للعقلاء المحبين للوطن سيستمر، ما لم يتم التصالح معه.
لا يعيب القائمين على شؤون التنمية نظرهم إلى أخطاء الماضي وفحصها للحد من المجازفات، المعيب أن تُحبس الدروس والعبر في الأضابير خجلا من الاعتراف بالقصور وكشف أوراق الفشل، إكراما للسير الذاتية الموغلة في الأنا.
وعودا على الأمر المهم، يستمر السؤال عن مناطق «الإخلاء» ونقاط «التجمع» عالقا طالما أن الكوارث الطبيعية محتملة والحوادث العامة مثل الحرائق والانهيارات متوقعة ولا سيما أن في الوطن مدنا صناعية، ومصانع للبتروكيماويات وأخرى ثقيلة متنوعة ومطارات وموانئ تعمل على مدار الساعة، والقطارات بإذن الله قادمة.
هذا عدا المدارس والجامعات التي يتكدس فيها البشر بكل الفئات العمرية. ولا مجال هنا لإنكار الحركة المرورية التي تسيطر اختناقاتها على جل المناطق والمدن السعودية وهي من العوامل التي يجب وضعها بعين الاعتبار عندما يكون الحديث عن الكوارث الطبيعية أو الأحداث الطارئة.
عموما، لم ألحظ على الإطلاق في كل الطرق التي تيسر لي عبورها أو المناطق التي مررت بها ولا حتى الحي الذي أسكنه لوحة إرشادية للدلالة على نقطة تجمع أو منطقة إخلاء، وأرجو أن يكون الخطأ عائدا لقصور فهمي وتواضع علمي.
والسؤال: أين هي إن كنت مخطئاً؟، يكفي لإسكات السؤال الإشارة إلى أي شيء يدل على وجود أماكن معلومة يلجأ إليها الناس بيسر وأمان وقت الطوارئ والنائبات المهددة لحياتهم، ولعل في ذلك ما ينفي عن الأمانات والبلديات تهمة «عبء على الدولة وعقوبة للناس».