لماذا العنصرية ضد الأجانب؟

كتب أحدهم في موقع التواصل الاجتماعي (تويتر) قبل أيام قليلة -وبلغة فجة وعنصرية- عن إحدى الجنسيات العربية بصفتها تسرق خيرات بلدنا ثم تسافر لأمريكا وأوروبا لتتنعم بأموالها هناك آخر حياتها. وبغض النظر عما كتبه -والذي أعتبره فجاً ووقاحة- إلا أن هذا الأسلوب في التعميم والتصنيف نجده يتكرر من عقود قديمة ولعل آخر شواهده ما قرأناه في حملة القبض على الإثيوبيين وغيرها وغيرها. والأمر لا يقتصر بالطبع على التصنيف الخارجي بل لا تكاد تحصر التصنيفات الداخلية والتي تخضع كلها لعلاقات الفرد مع جماعته وموقع جماعته من الإعراب. هل هذه ظاهرة فريدة وخاصة بمجتمعنا ؟ وهل هي قبيحة بالضرورة؟
ظاهرة التصنيف ليست فريدة بمجتمعنا حيث نجد التصنيف ظاهرة كونية في كل البشر وبألوان مختلفة. سواء اتجهت شرقاً أو غرباً ستجد في كل مجتمع طيفا من التصنيفات التي تعطي فكرة جيدة ودقيقة عن نظرة أفراد هذا المجتمع للعالم من حولهم وتعاملهم معه. فالتصنيف كممارسة يعطينا معلومات قيمة جداً. «النساء والحريق والأشياء الخطيرة» هو عنوان كتاب معروف للعالم الإدراكي جورج لاكوف وهو مستلهم من تصنيف لإحدى القبائل البدائية للطبيعة حولها حيث تضع كل هذه الثلاثة أشياء تحت تصنيف واحد!
فلماذا يندفع البشر لتصنيف الآخرين في بداية المطاف، ولماذا يتطور هذا التصنيف لاحقاً إلى ممارسة للعنصرية ضد الأفراد؟ البشر بحاجة للتصنيف لسببين:
أولاً لإشباع شعورهم بالراحة النفسية خاصة إن كان التصنيف يتضمن حكماً. فهذه الوسيلة للشعور بالراحة النفسية لا تتطلب جهداً ولا وقتاً ولا نصيباً من التفكير والبذل. بل هي وسيلة عديمة الثمن وذات كفاءة عالية في تحقيق هذه الغاية. فوصف الناس بالغباء أو الجهل أو البلادة أسهل بكثير من دراسة حالة كل فرد من هؤلاء الناس وتقييمه ومن ثم الخروج بمتوسط ما يخبرنا بمدى ملاءمة الشريحة لهذه المعايير، وإضافة إلى ذلك فنحن لا نضمن نتيجة هذا المسح حيث يمكن أن يخالف مضمون التصنيف.
أما السبب الثاني وهو الأهم فهو تنقية المعلومات اللانهائية التي تمكننا من التعامل مع العالم الخارجي، ولو كانت المعلومات مشوشة. نحن كائنات محدودة الجهد والوقت والطاقة وليس في مقدورنا أن نقوم بدراسة كل حالة من حالات العالم من حولنا بموضوعية واستقلالية. فمن هنا نضطر للبحث في العموميات وإسقاطها على الجماعات لكي يتسنى لنا التعامل معهم بقوانين وبروتوكولات واضحة. لا نبالي كثيراً إن ارتكبنا الأخطاء في التصنيف والتي قد تكون أشبه بأخطاء أمين المكتبة حين يضع بعضاً من الكتب الجيدة تحت التصنيف غير المناسب، فهذا لن يدمر سمعة المكتبة بحال. فهذا يعني أن التصنيف لأجل تنقية المعلومات أيضاً وسيلة فعالة للتعامل مع عالم بالغ التعقيد لا يستطيع فيه الفرد بمفرده اكتشافه بالكامل.
التصنيف إذن في الأساس هو جزء من بشريتنا وطبيعتنا ويحصل دوما سواء أدركنا ذلك أم لم ندرك. ويزداد الأمر أهمية حين نرى الفرد ككائن اجتماعي يحمل هويات متعددة تشمل معه جماعة من البشر حوله. فقد يكون هذا الفرد جنوبياً وسعودياً وعربياً ومسلماً وينتمي لقبيلة ومدينة ولديه أصدقاء من صنف محدد وما إلى ذلك. كل هذه الأوصاف تمثل مجموعات ينتمي لها الفرد ويستقبل في نفس الوقت معارفه من خلالها. لا شك أن الخبرة والتعلم تعدل قليلاً من أثر كل مجموعة في معارف الفرد لكنه في النهاية لن يبقى كائناً محايداً مجرداً.
إذن كيف ينتقل التصنيف إلى حالة عنصرية كريهة وتعميم للصفات السيئة على الآخرين؟
في الحقيقة كما أننا لا نستطيع أن نتخلص من التصنيف كعملية لاواعية، فنحن لا نستطيع التخلص من العزو (Attribution) كذلك. وحينما أتحدث عن العزو فأعني ما نفعله حينما نطبق الصفات الشخصية على الآخرين من خلال تفاعلنا معهم سواء بشكل مباشر أو عبر الجماعة. ففلان من الناس منفتح أو جلف أو غبي أو مبدع لأننا شاهدنا في أكثر من مناسبة ما يجعلنا نوسمه بذلك حتى لو كانت معرفتنا به وبظروفه التي دفعته للتصرف على هذا النحو ضئيلة أو معدومة. نمارس العزو حتى من قراءة خبر عابر عن أب يضرب ابنته مثلا لنتخيل أنه أب قاس وغير متعلم ونحن لا رأينا الأب ولا عرفنا أي تفاصيل قريبة من الحادثة. ليس بالضرورة أن يكون العزو خاطئاً بل هو أيضاً له وظيفة مهمة وهي اختصار الوقت والجهد في معالجة المعلومات التي تأتينا من العالم حولنا بأفضل طريقة ممكنة.
حين تسيطر علينا الرغبة في إشباع شعورنا بالرضى الذاتي نقوم بعزو صفات دونية على تلك الجماعات المختلفة عنا. قليلاً ما تجد من يصف أسرته مثلا بأوصاف قبيحة على نفس الطريقة التي يصف بها الجماعات الأخرى لأنه عاش الظروف ذاتها. ولكن في نفس الوقت ستجد بكل سهولة من الآخرين من يحتقر هذه الأسرة بناء على صفات يراها ثابتة فيها. لا يمكن أن يصدر هذا الفعل من حالة إنسانية سامية تتفهم اختلاف حال الإنسان وتلون ظروفه وتأثير مجتمعه في طريقة تفكير الأفراد وسلوكهم.
لذلك لا يوجد علاج ناجع للعنصرية ضد الأجانب أو ضد أي جماعة مختلفة
إلا بلعبة تقمص الأدوار. والتي تتلخص في الحكمة الشعبية القائلة
«لا تستطيع أن تفهم إنسانا حتى تمشي في حذائه» أو بعبارة أخرى حتى تتخيل نفسك تنشأ في نفس ظروفه وبتفاصيلها المختلفة ثم ترى كيف أن هذا الآخر الذي تحتقره ليس سوى إنسان مثلك تماماً بكل ما فيه، وأن كل الصفات السيئة فيه غالباً ما تجدها منعكسة فيك وفي جماعتك؛ ولكنها عين الرضا وعين السخط.