أمي.. لن أشكوك للقاضي.. بل لله

خرجت المريضة من عيادتي بعد انتهاء الكشف وطلبت من الممرضة أن تؤجل دخول المريض التالي حتى أستريح قليلا، فلقد أرهقتني مريضتي الأخيرة، بل أغضبتني.. فالسيدة قالت لي إنها لم ترضع أولادها الثلاثة، الذين أصيب آخرهم بمرض السكري. وللأسف الشديد كانت الإصابة بالنوع الأول من هذا المرض والذي يدمر البنكرياس تدميرا شاملا، بحيث يجب أن يعالج الطفل من اليوم الأول بحقن الأنسولين، وتساءلت: ترى هل يقبل القاضي شكوى الطفل لأمه لأنها لم ترضعه رغم قدرتها على ذلك؟

فالأبحاث الطبية في السنوات الأخيرة تحدثت عن ارتفاع في حالات الإصابة بمرض السكري من النوع الأول في الأطفال الرضع الذين استبدلوا الرضاعة الطبيعية بالرضاعة الصناعية، خاصة الألبان المحتوية على لبن البقر. وقالت الأبحاث إن استخدام ألبان الأبقار قبل عمر عام «وهو تقريباً موعد نضج الجهاز المناعي للطفل» يؤدي إلى تصنيع مضاد لبروتين اللبن يسمى علمياً antibodies to bovine serum albumin
ويختصر إلى BSA وهذا المضاد يشبه في تركيبه المضاد الذي يقوم بتدمير خلايا بيتا التي تفرز الأنسولين مما يؤدي إلى نقص شديد في إفراز هذا الهرمون وارتفاع شديد في مستوى السكر وظهور مرض السكري من النوع الأول.
ولا تقتصر فوائد الرضاعة الطبيعية في الحماية من مرض السكري على هذا الجانب، بل أثبتت الأبحاث الطبية أنها تحد من إصابة الأمهات بمرض سكري الحمل في حملها التالي وهو نوع شائع من مرض السكري يصيب السيدات الحوامل، إذ إنها تساعد على تقليل وزن السيدة المرضع بصورة ملحوظة مما يحسن أداء هرمون الأنسولين، كما أن الأطفال الذين يرضعون طبيعياً من لبن أمهاتهم يكونون أقل وزنا بالمقارنة بمن يعتمد على الرضاعة الصناعية، مما يقلل أيضا من احتمالية السمنة عند الأطفال التي هي أحد الأسباب الرئيسية لإصابة الأطفال بالنوع الثاني من مرض السكري. ورغم أن القاعدة الفقهية المستقرة تقول إنه لا يقتص للفرع من الأصل إلا أن لسان حال هؤلاء الأطفال الذين حرموا من حقهم في لبن أمهاتهم قد يقول تلك العبارة القاسية
«أمي لن أشكوك للقاضي.. بل لله».