نقد وتجريح واستهزاء على الفضائيات

يخرج علينا البعض من خلال برامج فضائية، من المفترض أن تكون نقدية هادفة يستفيد منها المتلقي، لكنه يفاجأ بأن مقدمي هذه البرامج يحيدون عن الموضوعية في الطرح ويخرجون عن النص بطريقة فجة، تصل إلى كيل الاتهامات الزائفة غير الصحيحة لمن لا يعجبهم أو لمن لا يسير في ركبهم؟!. ولقد كثرت هذه البرامج وكونت لها شعبية من عامة الناس الذين يحبون مبدأ (خالف تعرف)... وشعبية هذه البرامج تكونت ليس لأنها برامج ناجحة، ولكن لأنها برامج صاخبة برامج (زعيق وصراخ) وتوتر، برامج خرجت عن المألوف والمعتاد، فوجدت شريحة كبيرة من المجتمع تنتظرها، لتشاهد وتسمع أناسا مبتذلين فيقهقهون على نغمات (الردح البلدي) والشتائم النابية والعبارات البذيئة التي تصل في بعض الأحيان إلى حد القذف؟!.
إن هذه البرامج ليست قاصرة على الفضائيات الخليجية بل تعدتها إلى قنوات فضائية تعرض في معظم الدول العربية!!. ومن تلك البرامج من يُحضر مجموعة من الناس يريدون عرض مشكلة ما بصورة عاجلة عبر الفضائيات ضد مسؤول ما أو جهة معينة، فيبدأ مقدم البرامج الاستماع لهم في الأستوديو، فتعرض المشكلة، كانت اجتماعية أو صحية أو تربوية أو خلاف ذلك، ثم يقوم أخونا مقدم البرامج بإجراء عدة اتصالات هاتفية مع المسؤولين ليستمع لردهم على الاتهامات الموجهة إليهم، وإلى هنا الأمور تسير على ما يرام، على الرغم من أنه يجب أن يكون المسؤول حاضرا ليدافع عن نفسه وعن إدارته أو الجهة التي يمثلها، لكن أخانا مقدم البرنامج يكتفي بالاتصال الهاتفي الذي يُشَوش عليه في بعض الأحيان أو يُقطع عمدا لكي لا يُفحِم المسؤول مقدم البرنامج بالبراهين التي يملكها، لأن البرنامج سيخسر الزخم الذي خطط له والذي وضع البرنامج من أجله، وهو إثارة الناس عبر الفضائيات... ثم عندما لا يعجب مقدمُ البرنامج رد المسئول يبدأ في التطاول عليه بالتهكم تارة وبالاتهامات المضادة تارة أخرى، بطريقة فجة، يزعم فيها ويردد دائما أنه لا يخاف من أحد (وخلوهم يسجنوني)؟!
وهناك برنامج آخر دأب مقدمه على الزعيق والصراخ بطريقة يكاد أن تنفجر منها شرايين وجهه ورقبته وكذلك شرايين شاشة التليفزيون، فهو لا يجيد إلا الزعيق والصراخ بل لا يستريح إلا بهذه الطريقة طريقة (الردح)، فهو يظن بأنها الطريقة الناجحة لتقديم برنامجه، فتجده يهاجم الكل بدون استثناء ويصل به الحد إلى الشتم والسباب !!. كما خرج علينا برنامج آخر وضع في خطته مفاجأة المسؤول في مكتبه بواسطة مراسله الموجود في المكان أو الإدارة المخطط لها، فيفاجئ المراسل المسؤول بتواجده أمامه ليمطره مقدم البرنامج من الأستوديو بالاتهامات المتتالية، والتي غالبا ما تكون شكوى من فرد أو مجموعة أفراد موجودون مع مقدم البرنامج في الأستوديو. وفي كثير من الأحوال يكون المسؤول المتهم ليس هو المسؤول المباشر عن هذه المشكلة الذي قد تكون لديه الأدلة والبراهين في خطابات ومراسلات ومعاملات ليست أمامه، والتي تحمل قيدا وأرقاما وتواريخ ممكن أن تكون ردا حاسما ضد مقدم البرنامج ومن معه, لكن مقدمي هذه البرامج لا يريدونها بهذه الطريقة، فهم يريدون الإثارة وطمس الحقيقة من أجل أن يقال بأن البرنامج الفلاني أحرج مسؤولا ما أو انتصر على إدارة ما!. فهم يدرسون الكيفية في تقديم برامج الإثارة هذه وبدقة متناهية بحيث يخطط لها جيدا لتخرج بالصورة الدراماتيكية التي يريدونها، وهذا لعمري قمة الظلم والتكبر والمغالاة والبعد عن الحقيقة. إن وضع هذه البرامج آخذ في التفاقم نحو الأسوأ أدبيا، فأخذت تنحدر في أسلوب تعاملها مع المسؤولين، لاستخدامهم أسلوب الرشق الممنهج، بطريقة (العيار اللي ما يصيب يدوش!) كما إن مقدمي هذه البرامج أخذوا يوظفون برامجهم للنيل من خصومهم وتشويه صورهم في وسائل الإعلام، وأقل ما يمكن أن توصف به هذه البرامج بأنها تفتقد للحياء، و(إذا لم تستح فاصنع ما شئت) بل إن فيها ظلما واضح يمقته الشرع ولا يرضى به الناس، فالشرع بل وحتى أنظمة الدول الغربية لا تجيز أن يرمى ويقذف الأبرياء ويتهموا جزافا. لقد سئم كثير من أهل الفضل والعلم والحكمة هذه البرامج وهذا الأسلوب الممقوت، كانوا من عامة الناس أو من علية القوم، فتجدهم ينهون مشاهدتهم لهذه البرامج بقفل جهاز التلفزيون أو تغيير القناة. وفي رأيي أن مثل هذه البرامج يمكن أن تكون من أنجح البرامج الفضائية لو أنها أعدت إعدادا سليما وقُدمت بطريقة ليس فيه الاتهامات الكاذبة أو الصراخ والزعيق المصطنع أو تزييف الحقائق وقلب الموازين لصالح البرنامج، أو التوجيه المبرمج أو النية الفاسدة المقصودة المبيتة للنيل من المسؤول.
وأرى أن تكتفي هذه البرامج بدراسة المشكلة المطروحة بطريقة علمية إنسانية، ووضعها على طاولة النقاش على ضوء القوانين والأنظمة وأن يحكمها أولا وأخيرا العدل (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) ثم يطرح البرنامج الحلول من خلال هذه المناقشات.