تقييم الدراسات العليا بمعايير المزاج الأكاديمي!
السبت، ١٧ يناير ٢٠١٥
لم تعد مرحلة الدراسات العليا مجرد خيار إضافي للاستزادة ونيل أكثر من شهادة، بل أصبحت توجها أساسيا للكثير من الطلاب الجامعيين والموظفين الراغبين في الارتقاء بقيمتهم العلمية وبمواقعهم العملية. وقد أسهم في هذا التوجه وجود خيارات عدة للانتظام والانتساب وإتاحة الجامعات المحلية لمزيد من الفرص والبرامج بشكل يتكيف مع ظروف الطلاب ويغنيهم عن ضرورة التفرغ التام أو الحاجة للسفر خارج المملكة، غير أن الكثير من الأسئلة يمكن أن تثار إذا ألقينا نظرة واقعية إلى حال الدراسات العليا في بعض جامعاتنا، كما أن الكثير من الحيرة يمكن أن يعترينا إذا اتفقنا على أن الهدف هو اتباع المعايير الأكاديمية وتطبيق أسلوب مهني في صناعة جيل يمتلك المقومات المعرفية المتقدمة، ثم قارنّا هذا الهدف بما يحدث بالفعل في تلك الجامعات.
سنتفق أيضا على أن المسؤولية مضاعفة في تأهيل مخرجات الدراسات العليا، حيث إن المجتمع والمؤسسات المختلفة تراهن على هذه المخرجات أكثر من غيرها، على اعتبار أن حامل الشهادة العليا هو شخص اختار بإرادته أن يتجاوز المستوى المفترض من العلم والإنجاز، وينتقل إلى مستوى المبادرة والمناقشة وصنع الإضافة الحقيقية في مجاله، وبالتالي فإن آخر ما يتوقعه الناس أن يخرج هذا الطالب بشهادة ماجستير أو دكتوراه، ولكنه ليس مؤهلا بما يتناسب مع حجم هذه الشهادة.
للأسف أن هذه المشكلة أصبحت واقعا ماثلا لدرجة أن حملة الدراسات العليا باتوا لا يحظون بالثقة المتوقعة كموظفين محتملين، وذلك لعدم إثباتهم الكفاءة حتى بعد تحقيق الدرجة العلمية. أما الأسباب فهي كثيرة وليست مرتبطة دائما بالطالب ذاته أو بمستوى المنهج أو المؤسسة الأكاديمية، بل بأساتذة الجامعات الذين أصبح بعضهم حلقة ضعيفة يمر من خلالها الطلاب الأقل استحقاقا للشهادة العليا.
لقد أسهم تباين المهنية وتفاوت القدرات الواضح بين أساتذة الجامعات في الإضرار بمستوى المخرجات في الدراسات العليا، فلم يعد الطالب يحصل دائما على الحكم المنصف الصحيح، ولم يعد جهده وعلمه هو معيار نجاحه، بل وجد نفسه مضطرا للدخول في معادلات غير عادلة تحتكم لمقاييس غير أكاديمية للأسف، فبعض الأساتذة يبنون حكمهم على المحسوبيات، أو على معرفتهم الشخصية بالطالب، والبعض الآخر يبني الحكم على المصالح التي قد تعود عليه من طالب أو آخر، بل إن هناك أساتذة يعتمدون في التقييم على المزاج الخاص ومدى الارتياح لطالب من عدمه.
إن ما كتبته ليس قراءة مجردة في ظاهرة سلبية، وهو لا ينفي وجود أساتذة على قدر عال من مراعاة الله عز وجل والالتزام بالمنهجيات والمقاييس الأكاديمية، ولكنه وصف لحالٍ تم التأكد منه على أرض الواقع الأكاديمي والجامعي، وعانى من آثاره الكثير من طلاب الدراسات العليا الذين طمحوا في الحصول على تقييم منهجي أكاديمي منصف في سبيل تحقيق تقدم علمي وعملي يطور مستوى حياتهم، ولكنهم بدلا عن ذلك فوجئوا بغياب المعايير الذي جعل كثيرا منهم عرضة لظلم التقييم، وهو ما يعني انخفاض الدرجة وتراجع قيمة الأمل الذي استثمروا فيه فكرهم وأنفقوا عليه جل وقتهم وجهدهم قبل أن يكتشفوا أن استحقاق النجاح لا يعني النجاح دائما!