التخطيط العشوائي
الخميس، ٢٧ مارس ٢٠١٤
نعم، هو كذلك تخطيط، ولكنه يتسم بالعشوائية وعدم الانضباطية، فلا مجال لديك لقراءة نمط تخطيطي مستمر بل هي أشبه بتحقيق الأمنيات والأحلام للعقاريين، أو هي آفة تخطيطية أصيبت بها مدننا وكان السبب فيها مطامع العقاريين الجشعة. فبداية بالاحتفاظ بالأراضي داخل المدن لفترات طويلة لأنها «لا تأكل ولا تشرب» إلا أن الجشع يستمر كذلك حينما تخطط الأرض فالاستمرار في البحث عن مصلحة المالك أو المطور بغض النظر عن المجاورين، يعتبر إجحافا صريحا في حقوقهم ويستمر تأثير تلك الأراضي البيضاء على الخدمات والطرق والحركة المرورية داخل الأحياء وعلى تخطيط الأحياء والضغط على شبكات البنية التحتية والخدمات وقائمة التأثيرات التي تطول في ذلك والتي يعتبر بعضها تأثيرات تشكلت من خلال تفاقم بعض المشكلات التخطيطية واختلاطها بأخرى.
نعم، هي قصة قصيرة تتكرر في مدننا جميعها والتي أصبحت تئن تحت وطأة جشع العقاريين وتخاذل النظام التخطيطي العام عن إيقاف مثل هذه التخبطات واستمرار العبث في مقدرات المدن ومستقبلها، وأكثر الخطوات إيجابية هي وضع حلول تجميلية قد لا يدوم تأثيرها أكثر من مدة المشروع نفسه . فمدننا اليوم تحتاج إلى فكر استراتيجي جديد يتغذى من خلال رؤية ورسالة تعبر عن رفاهية المواطن، وعلى اهتمام بالمجتمع وبالموارد الطبيعية للمدينة وليس من خلال فائدة القلة من الملاك العقاريين هنا وهناك.
فنحتاج على مستوى التخطيط إلى استبدال التنظيمات الحالية والتعليمات العامة والمبهمة، إلى تنظيمات أكثر فعالية وانضباطا وتفصيلا، وإلى ضبط تفاصيل المخططات الاستراتيجية للمدن لتكون أكثر تحديدا، لا تركها للمخططات الحضرية التي لا تعالج مشكلات المدن سوى في نطاقها المحدود مما يضر بالمخطط الاستراتيجي ولو كان ذلك على حساب درجات التخطيط. فالمتخصص في التخطيط العمراني الذي يعمل على تحديثات المخططات الاستراتيجية للمدن يستطيع تحديد حجم الإضرار الحاصل بالمخطط الاستراتيجي جراء تنظيمات المخططات الحضرية الهزيلة. وكذلك ما دمنا نتحدث عن التخطيط العشوائي وليس بيدنا رفع الغمة عن مدننا من عذابات الأنظمة التخطيطية البالية والمهترئة والتي أصيبت بها وبعيوب الترقيع من خلال التعاميم اليومية الصادرة من كل حدب وصوب، لا بد وأن نمارس دورا حقيقيا في الحديث عن عدم مناسبة المعايير التخطيطية لمدننا والأولى من البكاء على اللبن المسكوب هو البدء في تحديد وتطوير المعايير التخطيطية لتتناسب أولا مع المجتمع المستفيد ومع البيئة المحيطة الخارجية والداخلية، فغالبية الخدمات العامة والبنى التحتية اليوم لم توفر الحد الأدنى من الخدمة، فالمدينة التي لا تخدم ساكنيها وروادها وزوارها ولا تلبي احتياجاتهم هي أشبه بالسجن المفتوح الذي لا يختلف اثنان أن أقرب فرصة للابتعاد عنه ستكون ذات أولوية عليا وبدون تفكير، أما إذا استفسرت عن حجم نمو المدن وازدياده لدينا ماذا يعني؟
ألا تتفق معي أن لا مكان آخر يتناسب مع الاحتياجات الإنسانية لنا يُذهب إليه، مع أن هذه المدن هي أقل مرارة من معيشة القرى التي هي أشبه بأن تكون
رحلة للمجهول؟.