داعش يتآكل بعد حربه مع الجميع
الثلاثاء، ١٤ يناير ٢٠١٤أخذت قوة «تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام» داعش، الذي كان أعلن الحرب على الجميع والتمرد على القاعدة، تتآكل ميدانيا، حيث يخوض معارك مع ثوار سورية، إذ انتزعت منه مدينة حلب التي فرض سيطرته عليها خلال الأشهر الماضية، واتخذ منها مقرا رئيسا.
وفيما اضطر داعش إلى نقل عملياته إلى محافظات شمال سورية، أعلن المرصد السوري لحقوق الإنسان توثيقه مقتل 482 شخصا منذ فجر الجمعة 3 يناير الحالي وحتى مساء أمس الأول، خلال الاشتباكات بين داعش والمعارضة.
ويبدو أن داعش قرر المضي في تطبيق استراتيجيته والالتزام ببرنامج عمله في العراق والشام، دون الاكتراث بمخرجات تشدده، مستندا في سلوكه إلى شرعية ولايته العامة، باعتبار أن زعيمه هو أمير المؤمنين، في محاولة منه لنقل الدولة من العالم الافتراضي إلى الواقعي عبر استخدام خيار القوة والمنعة واستثمار اللحظة التاريخية للمناطق التي تشهد حالة من الفوضى والانهيار للنظم القائمة، وأعطى لنفسه ذريعة عداء الآخر وإعلان الحرب على الجميع، بما في ذلك التمرد على القاعدة.
-------------------------------------------------------------------
دفعت حادثة اغتيال الطبيب القيادي في حركة أحرار الشام حسين السلمان، المعروف باسم «أبو ريان» على يد عناصر الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش» بزعامة أبو بكر البغدادي إلى الجماعات الإسلامية المسلحة لإعلان فصائل إسلامية مسلحة قتال داعش.
وتعد داعش الامتداد الأخير الذي تشكل عقب سلسلة من التطورات التنظيمية داخل العراق وانتقل إلى سورية، حيث بدأت نواته مع تشكيل الزرقاوي لجماعة «التوحيد والجهاد»، إبان الاحتلال الأمريكي للعراق في 2003، ثم الإعلان عن مبايعته للقاعدة 2004، وتحول اسم الجماعة لتصبح «تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين»، وقبل مقتل الزرقاوي تم تأسيس «مجلس شورى المجاهدين» بزعامة عبدالله رشيد بغدادي 2006، والذي ضم آنذاك أكثر من سبعة فصائل وتنظيمات وجماعات إسلامية مسلحة، وكان هذا المجلس بمثابة نواة لتشكل «الدولة الإسلامية في العراق» بزعامة أبو عمر البغدادي - حامد داود الزاوي-.
في 2010 قتل أبو عمر البغدادي برفقة وزير حربه المصري «أبو حمزة المهاجر»، وتولى المدعو «أبو بكر البغدادي»، ويعتقد بأنه أبو دعاء «إبراهيم عواد البدري»، زعامة «دولة العراق الإسلامية».
في 2012، تأسست «جبهة النصرة لأهل الشام» بزعامة المدعو «أبو محمد الفاتح الجولاني»، بدعم مباشر بالرجال والمال والعتاد والسلاح من «دولة العراق الإسلامية»، وبدأ اسمها يتصدر الأخبار الخاصة بالأزمة السورية بفعل الاستراتيجية القتالية التي انتهجتها وسلوكها في التعامل مع البيئة الشعبية الحاضنة، وحققت تقدما ملحوظا في الميدان.
وبعد مرور عام على تأسيس «الجبهة»، التي ذاع صيتها كإحدى الفصائل الرئيسية والأكثر فتكا بالنظام في الثورة السورية، بدأت تتكشف ملامح خلافات حادة بين «الدولة» و «الجبهة»، وقام أبو بكر البغدادي بتاريخ 15 يونيو 2013 بالإعلان عن تأسيس إطار جديد للعمل التنظيمي والعسكري تحت مسمى «الدولة الإسلامية في العراق والشام»، عبر رسالته الصوتية الصادرة عن مؤسسة الفرقان للإنتاج الإعلامي تحت عنوان «باقية في العراق والشام»، ودعا فيها «الجولاني» للانخراط ومبايعة هذا التشكيل الجديد.
ودلالة هذه التسمية - الدولة الإسلامية في العراق والشام- في منظور الإيديولوجيا السلفية الجهادية أن مفهومي جند الشام والطائفة المنصورة حاضران في الخطاب السلفي الجهادي بقوة، حيث تمثل بلاد الشام أرض المعركة الفاصلة بين الإيمان والكفر أو الحق والباطل، وأن القائمين على حمل راية الحق في منظور «الجهاديين» هم الذين ينتمون للطائفة المنصورة.
للمرة الأولى تطفو الخلافات داخل الفضاء الإيديولوجي للسلفية الجهادية على المستوى المحلي والإقليمي والعالمي، فجاء الخلاف بين «الدولة» و»الجبهة» بعد مبايعة الجولاني للظواهري، ليعبر عما هو كامن من اختلافات بين القيادة المركزية والفروع المنتشرة في العالم، وغلب عليها تأويلات فقهية تتعلق بالسلطة الأعلى - أهي إمارة عامة أو إمارة حرب - من جانب، وبأولويات واستراتيجيات العمل من جانب آخر، وحشد كل طرف مفكريه ومنظريه للدفاع عن توجهاته.
وقد وضعت الاستراتيجية الرئيسية لتنظيم القاعدة على رأس أولوياتها منذ الإعلان عن تأسيس «الجبهة الإسلامية العالمية لقتال اليهود والصليبيين» في 1998، إلى قتال الغرب بشكل عام والولايات المتحدة الأمريكية على وجه الخصوص، على أساس أنها داعمة للنظم السياسية العربية المستبدة وراعية لحليفتها الاستراتيجية «إسرائيل» المغتصبة لفلسطين، وفي الوقت ذاته تطبيق الشريعة وإقامة الخلافة.
وفي المقابل، تقوم استراتيجية «الدولة الإسلامية في العراق والشام» على أولوية مواجهة النفوذ والتوسع الإيراني في المنطقة ومحاربة «المشروع الصفوي» كما تصفه، وخصوصا بعد رحيل القوات الأمريكية عن العراق.
ويعني ذلك، أن سلوك الفرع العراقي يستند إلى الأساس الهوياتي في استراتيجيته وحركته، بينما المحرك لسلوك القيادة المركزية للقاعدة هو المصلحة الجيوسياسية، أما تمكين الشريعة فهو الهدف المشترك للطرفين، إلا أن توقيت الإعلان عن قيام الدولة في العراق فجر خلافات تم تجاوزها آنذاك نظرا للظروف الموضوعية والأسباب العملية، وأسهم وجود بن لادن على رأس التنظيم بما يمتلكه من كاريزما واحترام على تدبير الاختلاف والتعايش الحذر.
على ما يبدو فإن «داعش» قررت المضي في تطبيق استراتيجيتها والالتزام ببرنامج عملها في العراق والشام، دون الاكتراث بمخرجات تشددها، مستندة في سلوكها إلى شرعية ولايتها العامة باعتبار أن زعيمها هو «أمير المؤمنين»، في محاولة منها لنقل «الدولة» من العالم الافتراضي إلى الواقعي من خلال استخدام خيار القوة والمنعة واستثمار اللحظة التاريخية للمناطق التي تشهد حالة من الفوضى والانهيار للنظم القائمة، وأعطت لنفسها ذريعة عداء الآخر وإعلان الحرب على الجميع، بما في ذلك التمرد على القاعدة.