القراءة عند العرب بين اليوم والأمس
الثلاثاء، ٢٥ مارس ٢٠١٤
نعم المحدث والرفيق كتاب
تلهو به إن خانك الأصحاب
لا مفشيا للسر إن أودعته
ويُنال منه حكمة وصواب
القراءة عنوان الحضارة وحاضنة الثقافة ومرقى التقدم والصعود ووقود البحث ووسيلة تطويره.
وللقراءة عدة تعريفات تتقارب في المعنى وإن اختلفت في المبنى وحسب تعريف بعض المختصين فهي استخلاص للمعنى من المادة المطبوعة أو المكتوبة، أو القدرة على فك رموز المعاني من الأشكال المكتوبة.
ولها عدة أنواع حسب تصنيف بعض المعاصرين من حيث الموضوع:
- القراءة الرافعة وهي قراءة الكتب الشرعية.
- القراءة النافعة وهي قراءة العلوم النافعة في الدنيا.
- القراءة الساطعة وهي تعلم اللغات.
وهذا تقسيم اجتهادي فالأصل أن جميع أنواع القراءة رافعة ونافعة وساطعة خاصة متى ما استحضرت النية وقصد بها ما ينفع في الدارين. وقسم بعض الباحثين القراءة حسب الأهداف:
• أهداف وظيفية: كمن يقرأ في صلب تخصصه وطبيعة عمله.
• أهداف تطويرية: وهي قراءة ما يصقل الشخصية ويعزز المواهب.
• أهداف ثقافية ومعرفية: مثل القراءة العامة للمعرفة والاطلاع وزيادة المخزون الثقافي.
• أهداف ترويحية: القراءة بحد ذاتها إيناس للنفس.
وإن كان بعض الجادين يجدون متعة وأنسا في القراءة فإن أصحاب الخمول وقصور الهمة يعزفون عنها وتتراكم حولهم الصوارف التي من أبرزها:
- عدم تنظيم الوقت.
- عدم اعتياد شغل الفراغ بالقراءة.
- تعدد الوسائل الإعلامية الجذابة.
- الاهتمام غير المنضبط بأمور لا تمثل أولوية.
- تراجع مكانة العلم والثقافة.
- قلة الوعي بأهمية القراءة.
- تقصير النخبة في توعية الناس بأهمية القراءة.
- تقصير المدارس والأسر في تربية الأجيال على حب القراءة واتخاذها عادة.
- تقنيات التواصل الحديثة وما تأخذه من أوقات الناس خاصة الشباب والأطفال.
كيف نقرأ؟
يبين ذلك ساجد العبدلي مؤلف كتاب «القراءة الذكية» من خلال ما أسماه خماسية فن القراءة: ماذا؟، لماذا؟ أين ؟ متى؟ وكيف؟ ويستعرض أحد الباحثين الإجابات على النحو التالي:
ماذا أقرأ؟ أقرأ ما تحبه وتستمتع به، ولا يعني ذلك أن كل ما نحب قراءته مفيد، بل ربما نجني الفائدة من وراء معرفة نقاط الضعف فيما نقرأ. لماذا أقرأ؟ لا بد من تحديد هدف للقراءة، حيث ذكر المؤلف سبعة أهداف رئيسة للقراءة: الرغبة في الاستمتاع والحصول على الثقافة العامة، استكشاف الصورة العامة لكتاب ما، المراجعة، البحث عن معلومة ما، الرغبة في تدقيق المكتوب ومراجعته لتصحيحه، الرغبة في السيطرة واستيعاب المادة المقروءة والقدرة على تذكرها لاحقاً، السعي لنقد محتوى الكتاب.
أين أقرأ؟ يقترح المؤلف مواصفات للجلسة السليمة للقراءة وكذلك الوضعية والمكان المريحان. متى أقرأ؟ ينبغي استثمار الساعة الذهبية في القراءة، حيث إن لكل إنسان ساعة ذهبية يعلو فيها مستوى تحصيله المعرفي والفكري. كيف نقرأ؟ بما أن القراءة فن فإن لكل قارئ أسلوبه وطريقته.
واقع القراءة عند العرب
تعاني البلاد العربية من قلة القراءة، ففي إحصائية حديثة وُجد أن كل مليون عربي يقرؤون 30 كتابا فقط، وبينت بعض الإحصاءات أن الطفل الغربي يقرأ في العام الواحد ما يربو على 50 كتاباً في حين يقرأ الطفل العربي 100 صفحة كل عام.
وظهر في بعض الإحصاءات أن القاهرة، عاصمة الكتاب العربي، لم يزد عدد مكتباتها منذ بداية السبعينات مقارنة بزيادة عدد سكانها، وكذلك بقي عدد مكتباتها كما كان منذ 20 عاماً، أما المكتبات العامة فلم تنشأ منذ 30سنة.
وأكد تقرير لليونيسكو أن المنطقة العربية سجلت أعلى نسبة للأمية في العالم وأن القراءة تأتي في أدنى سلم مراتب الهوايات عند المواطن العربي.
وضعف القراءة ينعكس على الإنتاج فقد بنيت بعض الإحصاءات أن حصة جميع الدول العربية من المقالات المنشورة في الصحف العالمية هي 1 % في حين أن حصة ألمانيا وحدها 7.2 %، كما ذكرت مصادر اليونيسكو أن عدد الباحثين العرب يقدر بنحو 124 ألف باحث بينما يقدر عدد الباحثين الإسرائيليين بنحو 24 ألف باحث وفي إسرائيل يتم تأليف 6866 كتابا سنويا بينما يؤلف العرب ما يقارب 10000 كتاب سنويا، ونشر الباحثون الإسرائيليون 138881 بحثا محكما ونشر العرب 140 ألف بحث محكما.
هذه الحالة المرضية لعلاقتنا بالكتاب وتفريطنا في القراءة هل كانت سائدة عند سلفنا؟
لنستعرض هنا أمثلة سريعة للمقارنة: كان الخطيب البغدادي يمشي وفي يده جزء يطالعه وكان أبوبكر الخياط النحوي يدرس في جميع أوقاته حتى في الطريق، وكان ربما سقط في جرف أو خبطته دابة.
ويقال إن الجاحظ لم يقع بيده كتاب إلا استوفى قراءته حتى إنه كان يكتري دكاكين باعة الكتب ويبيت فيها للمطالعة.
وكان الشيخ عبدالحق الدهلوي دائم الاشتغال مكبا على المطالعة في الليالي حتى إنه قد احترقت عمامته غير مرة بالسراج الذي كان يجلس أمامه للمطالعة فما كان ينتبه له حتى تتصل النار ببعض شعره.
أما الفيروزآبادي فقد اشترى كتبا بخمسين مثقالا ذهبا، وكان لا يسافر إلا وصحبته منها عدة أحمال، وكان المأمون ينام والدفاتر حول فراشه ينظر فيها متى انتبه من نومه وقبل أن ينام.
وفي العصر الحديث يعطي الشيخ علي الطنطاوي صورة متميزة عن منهجه في القراءة:
(لو أحصيت معدل الساعات التي كنت أطالع فيها لزادت على عشر في اليوم.. فلو جعلت لكل ساعة عشرين صفحة أقرا من الكتب الدسمة نصفها ومن الكتب السهلة نصفها لكان لي في كل يوم مئتا صفحة، أتنازل عن نصفها احتياطا وهربا من المبالغة وخوفا من الكذب، وإن كنت لم أكذب ولم أقل إلا حقا فهذه مئة صفحة في اليوم فاحسبوا كم صفحة قرأت منذ تعلمت النظر في الكتب وامتدت يدي إليها. سبعون سنة، في كل سنة 12 شهرا في كل شهر ثلاثون يوما في كل يوم مئة صفحة... كنت ولا أزال أقرأ في كل علم: في التفسير وفي الحديث وفي الفقه وفي التاريخ وفي الأدب: الأدب العربي والأدب الفرنسي وفي العلوم على تنوعها وتعددها). من كتاب الطرق الجامعة. لمحمد موسى الشريف.