بلاك ووتر تغسل سمعتها في حرب القرم
الاثنين، ٢٤ مارس ٢٠١٤
أشعل قبل أسابيع خبر صغير عن “الأزمة في أوكرانيا” لا تتجاوز كلماته 40 كلمة نقلته وكالة “إنترفاكس” الروسية سوق الكتب في الولايات المتحدة، وأصبح بمثابة “قبلة الحياة” للشركة المثيرة للجدل “بلاك ووتر”.
يقول الخبر: وصول 300 مرتزق إلى كييف بأوكرانيا ممن يسمون Soldiers of Fortune ويتمتعون بخبرة غنية في الأعمال القتالية في بلدان مختلفة من العالم، قدموا من الولايات المتحدة (وغير معروفة جنسياتهم) وسبق أن قاتلوا وفق عقود مع شركات عسكرية خاصة في العراق وأفغانستان.. والسؤال الذي طرح نفسه حينها: هل تحل الشركات العسكرية الخاصة محل الجيوش الوطنية في النزاعات الدولية؟
الإرهاب الأسود
دع موقتاً ما عرفته عن شركة “بلاك ووتر”، لأنك ستعيد التفكير حتما في أغلب ما سمعته أو قرأته بعد اطلاعك على القصة الحقيقية من مؤسسها (إيريك برنس) شخصيا، ولك أن تحكم بعد ذلك: هل ما قامت – ولا تزال تقوم به – بلاك ووتر منذ 11 سبتمبر 2001 يضعها في خانة الأشرار أم الأخيار؟لم تكن هناك شركة في عصرنا الراهن يكتنفها الغموض والسرية والإثارة مثل”بلاك ووتر”.
أسسها إيريك برنس عام 1997، من قدامى القوات البحرية الخاصة وغيرهم من ذوي المهارات القتالية الذين يمتلكون الجرأة والشجاعة على اتخاذ أخطر مهام الأمن في العالم.
سمعتها التي طبقت الآفاق جعلت الحكومات تتهافت على طلب خدماتها التي تنامت وانتشرت منذ ظهور الإرهاب الأسود إلى الوجود قبل وبعد 11 سبتمبر عام 2001، حيث أنجز رجال “بلاك ووتر” الذين يتجاوز عددهم الـ 100 ألف، وينتمون إلى جنسيات مختلفة (أو غير معروفة على وجه الدقة) أصعب المهمات القتالية في العراق وأفغانستان وغيرها من البلدان.
وأصبحت خدمات هذه الشركة العسكرية الخاصة لا غنى عنها بالنسبة إلى الولايات المتحدة منذ عام 2001، سواء أكانت الإدارة تنتمي للجمهوريين (جورج بوش الابن) أو تنتمي للديموقراطيين (باراك أوباما).
بلا رتوش
إلى هنا تبدو قصة النجاح تقليدية جداً باستثناء أمر واحد، هو الاتهامات التي تصل إلى حد التشهير والإدانة التي أصابت “بلاك ووتر” في جميع أنحاء العالم، ناهيك عن التغطية الإخبارية والخيال المريض للمحللين الذي شوه رجال “بلاك ووتر” ولطخ سمعتهم – كما يقول برنس - كمرتزقة وقتلة بالأجر و”بلطجية” بالوكالة يسطون على أموال دافعي الضرائب من الشعب الأمريكي!ولأن السرية والتكتم الشديد من طبائع عمل “بلاك ووتر”، خصوصا في تعاقدها مع وزارة الدفاع الأمريكية ووكالة الاستخبارات المركزية، فقد كان طبيعيا أن يلتزم رئيسها إيريك برنس الصمت وعدم الرد على الاتهامات الجارحة، خصوصا مع ترويج المعارضين والمنافسين للشركة معلومات كاذبة عنها، أما اليوم فقد أصبح (برنس) قادرا على سرد الحقيقة كاملة ودون رتوش.
القصة من الداخل
يقول إيريك برنس في كتابه “المحاربون المدنيون: قصة بلاك ووتر والأبطال المجهولين في الحرب على الإرهاب”، إن الهدف الأساسي من إنشاء شركة “بلاك ووتر” هو إنشاء مركز متخصص للتدريبات القتالية والعسكرية على درجة كبيرة من الاحتراف والكفاءة لتنفيذ القانون وفرض سيادته.
وبعد 11 سبتمبر عام 2001، حدث تحول كبير لهذه الشركة فيما يشبه الانقلاب، إذ كرمت القيادة العليا في البنتاجون (وزارة الدفاع الأمريكية) موظفيها باعتبارهم من أصحاب الكفاءات القتالية العالية الضرورية لمساندة القوات العسكرية الأمريكية في مهامها الخارجية، فضلا عن المساعدة في الجزء الاستخباراتي من جمع للمعلومات واستجواب المعتقلين والتعامل مع الإرهابيين الخطرين.
عولمة المرتزقة
وأهم ما أشار إليه إيريك برنس رئيس مؤسسة “أكاديمي” حالياً، والتي كانت معروفة سابقا بخدمات “زي”، ومن قبل بـ “بلاك ووتر”، أن العولمة ليست فقط في مجال الاقتصاد أو إلغاء الحدود الجغرافية أو السماوات المفتوحة، إنما هي عولمة التنظيمات الإرهابية مثل “تنظيم القاعدة” الذي يضم عناصر إرهابية وقتلة بالأجر ومجرمين من جميع الجنسيات والجماعات الإرهابية الأخرى، حيث أصبحت الأسماء الحركية أو السرية للمنتمين إليها تنتهي باسم البلد الذي ينتمي إليه هذا العضو أو ذاك، كأن تقول “أبو البراء الليبي” أو “أبو حذيفة السوري” أو “أبو حامد العراقي” ... وهكذا.
الشيء نفسه مع الشركات العسكرية الخاصة – على الرغم من تباين الأهداف والأسباب – حيث تشهد عولمة هذه الشركات القتالية الخاصة تناميا رهيبا في مناطق النزاع في العالم، خاصة الشرق الأوسط وأفريقيا، ويتم تجنيد أعداد كبيرة من جنسيات مختلفة لإرسالهم للقتال في بلدان أخرى، وثبت أن الاستعانة بمقاتلين أجانب، سواء لقمع المعارضين الوطنيين في الداخل، أو محاربة الإرهابيين القادمين من خارج البلاد، تكون ناجعة وفعالة لسبب بسيط، وهو أن الأجانب المحترفين لا يشعرون بالذنب وهم يقاتلون جنسيات أخرى، لذلك أصبح من السهل في عصر عولمة المرتزقة وتفشي الإرهاب أن تستأجر من تريد لفعل ما تريد وتلصقه بغيرك دون أن تشعر بالذنب! بالعودة إلى خبر وكالة “إنتر فاكس” الروسية، يصبح السؤال الذي لم يطرحه إيريك برنس، ولكنه حتما داعب خياله هو: هل تسترد “بلاك ووتر” أهميتها وهيبتها؟ وهل نشاهد في الأيام المقبلة أكبر عملية “غسيل للسمعة” لشركته في مصافي وسائل الإعلام الموجه؟! هل يرتدي الغرب طاقية الإخفاء (بلاك ووتر) في حربه ضد الروس في شبه جزيرة القرم وأوكرانيا؟
الكتاب: Civilian Warriors: The Inside Story of Blackwater and the Unsung Heroes of the War on Terrorالمحاربون المدنيون: قصة بلاك ووتر والأبطال المجهولين في الحرب على الإرهاب
المؤلف: Erik Prince إيريك برنس
تاريخ الصدور: November 18, 201318 نوفمبر 2013
برنس في سطور
- ولد ايريك برنس في 6 يونيو 1969 لرجل أعمال أمريكي.
- خدم سابقا في القوات البحرية الأمريكية.
- أسس في 1997 أكبر شركة عسكرية خاصة في الولايات المتحدة والعالم عرفت باسم «بلاك ووتر».
- شغل منصب الرئيس التنفيذي للشركة حتى 2009  تم بيعها لمجموعة من المستثمرين 2010
- تنتشر فروعها في جميع أنحاء العالم تحت نفس الاسم «بلاك ووتر».
أساطير وأكاذيب وخلافات كبيرة
يفند إيرك برنس الأساطير والأكاذيب التي أحاطت بشركته وشوهت الرجال “الأبطال” الذين ضحوا بحياتهم من أجل بلادهم ولم يحصلوا على التقدير الذي يستحقونه، كاشفا معلومات جديدة عن أكبر الخلافات حول الحرب على الإرهاب وطريقة مواجهتها خصوصا مع انسحاب القوات الأمريكية من العراق وأفغانستان.
ربما تضعنا تفاصيل فصول الكتاب مباشرة في صلب الخلاف المستحكم بين الجمهوريين والديموقراطيين في الولايات المتحدة حول انسحاب القوات العسكرية من العراق وأفغانستان ومناطق أخرى في العالم، لا سيما أن هذه الشركات العسكرية الخاصة كانت ترافق وتنسق وتتعاون مع القوات الأمريكية الرسمية في أداء العديد من المهام القتالية.
ويقول: كأن هذا الانسحاب استلزم حرق هذه الشركات الخاصة وتشويهها وإلصاق كل الجرائم اللا إنسانية بها في محاولة لحفظ ماء وجه الولايات المتحدة.
ميدان النسور
وفي ضوء ذلك يشكك برنس في جرائم نسبت إلى “بلاك ووتر” ومنها قصة مجزرة ساحة “ميدان النسور” في بغداد التي راح ضحيتها 17 عراقيا أعزلا في 2007، واغتيال وقع في الفلوجة، وغيرها من القصص، على الرغم من أنه لا يدعي المثالية أو يتنصل من اللجوء إلى القتل أحيانا، قائلا إنه “يواجه عدوا شرسا إذا لم تقتله قتلك”.
ومع ذلك يسرد برنس تفاصيل مؤلمة في حياته الخاصة، وأن ما قام به هو نوع من أنواع الخدمة العامة، محاولا أن يضع في هذا الكتاب الشبية بـ “الاعترافات” الأمور في نصابها وكأنها فيلم سينمائي واقعي وليس فيلما ينتمي للخيال الأسود.
جيتس وبرنس وتسخير القوة لدحر العدو
يعيد إيرك برنس إلى الأذهان مضمون استراتيجية الدفاع القومي للولايات المتحدة -في العقد الأول من الألفية الثالثة- والتي تضمنت: الولايات المتحدة لا تواجه دولة يمكن ردعها أو تخويفها أو التأثير بوسائل شتى، للتوفيق والإغراء والضغط في مركز صنع قرارها، إنما تجري المواجهة مع شبكات عنكبوتية تدور حول فكرة غير قابلة للألم أو العقاب أو الحرمان.
ومن ثم طالبت المؤسسة العسكرية الأميركية بإتقان حرب “غير عادية”، بدلا من التركيز على الحروب التقليدية ضد دول أخرى.
هذه الفقرة تلخص لماذا استعانت القوات العسكرية الأمريكية في الخارج بالشركات العسكرية الخاصة، والتي استمرت عام 2006 مع تولي روبرت جيتس منصب وزير الدفاع، والذي قال: إن الأمة يجب أن تسخر مصادر القوة العسكرية والقوة الناعمة لدحر عدو معقد ومتحول، كما يجب موازنة المخاطر بين التهديدات غير التقليدية والحرب التقليدية التي تتضمن جيوشا متنافسة ومواجهات بأسلوب الحرب الباردة.. والنجاح في العراق وأفغانستان حاسم في كسب هذه الحرب، لكنه لن يأتي وحده بالنصر.
ويوضح برنس أن هذه الاستراتيجية، تغيرت جذريا مع قدوم الرئيس أوباما وكأنه قضى على الإرهاب تماما، ويبدو أن (الرئيس جورج) بوش و(ووزير الدفاع الأسبق دونالد) رامسفيلد وجيتس كانوا على صواب كما كشفت الأحداث في العراق وسوريا وليبيا واليمن وسيناء، ربما لأنهم أكثر وعيا بالتاريخ من الإدارة الحالية.. من المحتمل أن أمريكا لم تكن قادرة على إعلان الاستقلال عن إنجلترا دون مساعدة من الشركات العسكرية الخاصة.
وفي ساحات الحرب الحديثة يتم الاعتماد اليوم بشكل أكبر على هذه الشركات رغم عدم اعتراف معظم الناس بهذا الأمر.
واستخدم بوش الابن شركات عسكرية خاصة على نطاق واسع بعد الهجمات الإرهابية في 11 سبتمبر، وتعرض شخصيا لكثير من الانتقادات القاسية.
وسار الرئيس الحالي باراك أوباما على نهج بوش نفسه، في البداية إذ استخدمت إدارته شركات عسكرية خاصة في جميع أنحاء العالم لدعم المصالح الأمريكية وأهدافها الاستراتيجية، ناهيك بأن أوباما نفسه استعان بخدمات “بلاك ووتر” في حراسته الخاصة حين كان عضوا في مجلس الشيوخ الأمريكي، وقبل انتخابه رئيسا للبلاد.