"مكة" إضافة جديدة للرصيد المعرفي والارتقاء بالإنسان
الثلاثاء، ١٤ يناير ٢٠١٤«مكة» إصدارة جديدة ولدت بهذا الشهر، راجية أن تسهم في جذب الشباب أمل اليوم وزاد الغد في مسيرة المعرفة حتى تصبح نافذة لهم من استلاب ثقافة الآخر، وواحة لهم من رمضاء الارتماء في أحضان الثقافات الدخيلة، وهى تتطلع للارتقاء بهم في سماوات المعارف الإنسانية.
إن التطلع لرقي الإنسان غاية سامية .. بل هو أسمى غاية، ودونما شك فإن إدراك مثل تلكم الغاية لن يتم إلا عبر المعرفة.. المعرفة التي تفتح الآفاق وتنير الدروب حتى تستخلص من رهق الحياة اليومية وفوضاها لب البهجة التي تقوم على إدراك الغايات الإنسانية المتمثلة في دحر قوى الجهل والتخلف والظلام.
والتطلع نحو رقي الإنسانية يتصف دوما بالديمومة إذ إنه خارج عن سلطان الزمان كما أنه يحتاج لبناء متصل يتم فيه التناغم مع الحياة المتجددة في مسيرتها القاصدة لإدراك غايات الحق مبدع الخلق حتى يكون الدين كله لله ونسلم له تسليما ثم لا تكون عاقبة ذلك إلا خيرا وفيرا تعم بركات ثماره الإنسانية جمعاء فتضاء سماوات الظلام ويعم الأمن والسلام.
ولعله يلزم الإنسان أن يعد العدة كاملة لهذه الرحلة غير المتناهية وذلك عبر المعرفة التي أهم وأعظم أدواتها القراءة وليس غيرها، والتي حض الإنسان عليها في كل عصر وآن. ويكفيها شرفا أنها أول ما تنزل من القرآن والذكر الحكيم .. ولذا تجدنا وقد ملأنا الأمل بأن إصدارة «مكة» إنما هي مصباحنا ونحن نحاول كفكفة وحلحلة عقد الظلام والتخلف والجهل واستشراق عصر المعرفة الذكية.
ونحن نرجو أن تكون «مكة» أول بذرة في هذا الحقل البهيج؛ إذ إن البيدر يبدأ من حبة قمح، والأشياء الكبيرة تبدأ صغيرة ثم نرعاها فتكبر وتخضر فتثمر.. ومكة ترجو دوما أن تكون الأقلام كما الأعلام عند أهلها وهي بذات الفهم تفتح ذراعيها وتناديكم متقبلة مساهماتكم فأنتم من تكتبون لها النجاح والاستمرارية وهي تحجز موقعها بين كبريات الإصدرات وكل ذلك بكم ولكم وألف مرحبا بكم.
ونحن في مكة نراهن على إبداعاتكم وتجليات فكركم إذ إنه عبركم ومن خلاكم يتم الاحتفاء بالخير والجمال حتى تصبح الصحافة أنيقة لدرجة يمكن اعتبارها حديقة مليئة بالأزهار المنسقة، فالفكرة بجانب الفكرة، والمعرفة بجانب المعرفة، والإحساس يؤازره الإحساس بحيث تغدو ضفاف المشهد المعرفي لوليدتكم «مكة» خلابة.
ثمة أمر آخر، إن المتغيرات السريعة وتسارع ثورة المعلومات وسيولة الحركة الإنسانية تجعل من المعرفة سلطة.. بيد أنها سلطة حبيبة إلى النفس البشرية إذ إنها تقوم على إشاعة النور وقهر الظلام وغرس المحبة، وهذا ما ترغب فيه وتدعو إليه إصدارة «مكة»، وهى تدرك وعورة وطول الطريق، والذي كان بدايته عند سيدنا أبي البشرية آدم عليه السلام يوم أن تلقى الكلمات من ربه وهي إلى يومنا هذا، بل هي حتى يوم تطوى السماوات والأرض كطي السجل للكتب، كما بدأ الخلق فهو إلى ميعاد حتى يقول هاؤم اقرؤوا كتابيه.. ومكة ترجو أن تنال كتابها بيمينها مكافأة لما ستسهم به.
إن إصدارة مكة تسعى إلى توفير ما يعين من الزاد المعرفي لإذكاء حياة الفكر والشعور والإبداع، وهو ما يجعلها بالضرورة في موقع مسؤولية فكرية وإنسانية بالغة العظم وهي تدرك أن طريق المعارف مليء بالمخاطر. بيد أنها أيضا تعلم حق اليقين أن الرهان على غير المعارف هو الخسران المبين، إذ لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون. ثم إن «مكة» في مواجهة كل هذه التحديات لا تملك عصا موسى ولم تعثر على خاتم سليمان، بيد أنها تستمد من ثقة الواثق قوته وهي بالله ثم بكم ومنكم تستمد قوة لو وجهت صوب الجبال الراسيات لجعلتها دكا، ونحن نعني بها جبال الجهل والتخلف والظلام.. وهي إذ نرجو أن تسهم في طريق المعارف نراها متيقنة بأن ذلك سوف يصاحبه اختلاف في وجهات النظر والتقييم والأساليب والمرجعيات وذلك لتباين الرؤى.. بيد أنه تباين لا يذهب للود قضية، ومكة إذ تدعو الجميع للمساهمة والإضافة للرصيد المعرفي والارتقاء بالإنسان من خلال العلاقات الخلاقة فهي على ثقة بأن جميع التغيرات والتطورات التي ستطرأ في تاريخ البشرية سوف تحدث باتكائها على بحر المعارف.. معرفة الذات والآخر.
والحرفيون في هذا المجال يعرفون بأن الاسم الذي تحمله صحيفة أو إصدارة شاملة إذا كان بثقل محمولات ودلالات اسم مثل «مكة المكرمة»، فإنه سيلقي بظله الثقيل عليها ويحد من فضاء حركتها ويقلص مجالها الحيوي. هذا مركب صعب ويحتاج إلى ربان بمهارة الأخ والصديق الدكتور عثمان الصيني، فهو أقدر من غيره على البحث عن مسارات تجعله يقوم بتحويل تحدي الاسم إلى رصيد يدعم المشروع الإعلامي بحرفية عالية، فالإسلام ليس مجرد دين كأي دين، ولكنه حضارة وثقافة.
وعليه يسرني في مفتتح هذا اللقاء بقراء «مكة» أن أشكر أخي عثمان على تشريفي بهذه السانحة لألتقي بهم، وأعدهم بأن أستأنف بصحبتهم تلكم الرحلة التي قضينا في دروبها زهرة الشباب، وأعدهم أن أكون كما ظللت دائما عينهم التي ترى، وأذنهم التي تسمع، واللسان الذي به ينطقون، وبعد هذا وذاك العقل الذي به يفكرون، وهذا عهد وميثاق بيننا.
ومكة ترجو وتأمل أن تكون إضافة حقيقية لصحف المملكة، وهي بين أيديكم اليوم، فإن أعجبتكم ونالت رضاكم فقولوا لغيرنا، وإن لم تنل رضاكم فقولوا لنا، وهي بكم ولكم.