فجور في الخصومة

تحميل كلام المتكلم على غير مقصده بغية النيل منه تحت شهية الحضور والانتصار أمر فاض بمجتمعنا. يقول ابن عمر (رضي الله عنهما): «لا تظن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن شراً وأنت تجد لها في الخير محملاً». إن أغلب حواراتنا للأسف لا تنتهي إلى نتائج مفيدة. أغلب المتحاورين يبدأ وهو يعتقد أنه يملك الحقيقة وأن من يخالفه على خطأ ولا يستحق أن يستمع إليه، في حين أنه لا أحد يملك الحقيقة المطلقة إلا الله سبحانه وتعالى، فالحقائق في عالم البشر كلها نسبية.

وأنتم تقرؤون هذا المقال، أكون بذلك قد أنهيت عاماً كاملاً من تقديم برنامج #هاش_خليجي، حاورت من خلاله أطيافاً فكرية عديدة تربعت على قلوب آلاف المتابعين والمحبين لهم. في كل مرة، وليس دائماً، أستضيف مفكرين مغايرين.. كلاهما يحاول أن يقنع الآخر بفكرته، وهذا حق مكفول للجميع تحت مفاهيم اختلاف الرأي. وأزعم أننا نحاول أن نقود دفة الحوار لنخرج بنقاش هادف، خال من تجاوزات لفظية جارحة، لكن سرعان ما يتحول طَرحُنا إلى معركة كبرى شرسة في ميدان «تويتر»، وكأن ما دار بين الضيفين هو بمثابة تحضير لهذه المعركة.

فقد بدأ أنصار الفريقين هناك من شبابنا بالذود والدفاع عن قطبهم ورمزهم.. وهذا أيضاً حق مشروع، إذا ما انطوى تحت مفهوم اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية. أما أن يتحول الصراع الى رَكلٍ ورَفسٍ بأوجع الكلام وإقصاء للطرف الآخر، فهنا يفترض بنا التوقف والتأمل والتساؤل: لماذا هذا الفُجور في الخصومة؟ من المسؤول عن نبت ضروس إقصاء الرأي الآخر داخل شبابنا؟ أهذه مخرجات تعليمنا؟ أهذا ما أنتجته لنا منابر مساجدنا؟ أين ذهبت مواعظك يا صاحب الفضيلة، أم إنك جزء من دائرة المشكلة؟ وهنا لا أبرئ أطيافاً أخرى هي أيضاً حاضرة في المشهد الإقصائي، وَرُبّيت على تجييش صفوفها للنيل من أي رأي مخالف لها.

منذ فترة ليست بالقصيرة بدأت أتابع بتعجب ما يطرحه أكاديمي في تويتر ينتسب إلى جامعة تعليمية رفيعة، أخذ على عاتقه #تفكيك_الخطاب_المتصهين، كما يزعم، واختار شخصيات ومؤسسات إعلامية ليقذفها بالعمالة والتصهين. كتبت له مغرداً ذات مرة وكنت فقط أريد أن أداعبه «يجب أن نقترح على عبدالرحمن الراشد أن يقدم لك عرضاً للعمل في العربية، لأنك متابع للعربية بجنون... ومن الحب ما قتل». يبدو أن تغريدتي استفزت الأكاديمي واستدعت ضروس الخصومة داخله ثم صعد إلى قمة الجبل مغرداً «والله لا أقبل بك وبه ولو عامل شاي في مكتبي، لا أضع يدي في يد متصهين حتى ألقى ربي»، فرددت في نفسي «الله أكبر.. الله أكبر.. انتصر الحق على الباطل»! نعم لقد انتصر لنفسه بعد أن قرر جازماً أنني من مخالفيه.

ما هذا الفُجور في الخصومة؟ قذف الناس بالتصهين والعمالة أمر فيه يسر بالنسبة إليهم! أين نحن ذاهبون؟

اختلاف الرأي حق مشروع للجميع، يجب أن نحرص على تلقينه من خلال مؤسساتنا التعليمية ونبثه في عقول شبابنا منذ الصغر، لا أن تخترق منظومة قيمنا الإسلامية التي جاءت ذامة للخصومة، فاضة للنزاع، محذرة من التجاوز فيها والخروج عن إطارها الشرعي. لكن تعميم القول هنا يؤدي إلى الخطأ،حيث يوجد في مجتمعنا بعض المشايخ الفضلاء والمثقفين وكثير من قادة الرأي الذين يتمتعون بثقافة الحوار ويمارسون التسامح مع الآخر.

تعالوا نتواصل ونتعلم ثقافة الحوار والتسامح، لكي ننهض بمجتمعنا ونجد الحلول لمشاكلنا.