ولا يحزنك قولهم...
الأحد، ٢٣ مارس ٢٠١٤
هناك فئة من الناس إذا ما سمعوا كلاماً غير مناسب في حقهم أو يمس كرامتهم انزعجوا كثيراً، بل ولربما يدفعهم هذا الشعور إلى استخدام سلوكيات قد تكون لفظية أو حركية من خلال التشابك بالأيدي.
فإذا كنت من هذه الفئة فلك أن تختار أحد الأمور التالية:
1ـ تجاهل ما قيل فيك تماما من مبدأ الثقة بالنفس أو لزوم الصمت بقدر الإمكان، ليس ذلك من باب الضعف والاستكانة وإنما من باب تدارك ما قد يقع بينك وبين خصمك من تطورات وإشكالات أنت في غنى عنها.
2ـ إذا لم تجد بدا من الرد على هذا الخصم من أجل تبرئة نفسك بما قد قيل فيك فليكن ذلك من منطلق الحكمة والحلم والتعقل وبأسلوب حواري راق ومتحضر.
3ـ ابتعد عن مصاحبة مثل هذا الإنسان أو اهجره هجراً جميلا من أجل ألا تتفاقم بينكما هذه المشكلة فيحدث بينكما ما لا يحمد عقباه لو استمرت هذه العلاقة بينكما وهي على هذه الحالة من التوتر.
فإذا فعلت ذلك فثق تماما أنك أنت المستفيد أولا وأخيراً. وهذا ما فعله رسولنا وقدوتنا، صلى الله عليه وسلم، في مثل هذا الموقف.
فهو على الرغم من أنه لا ينطق عن الهوى ومعصوم من كل خطيئة وقد اختاره الله عز وجل من صفوة خلقه ليكون للعالمين بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، إلا أنه لم يسلم البتة، صلى الله عليه وسلم، من كلام كثير من الناس في زمانه، ممثلا في اليهود وكفار قريش والذين دائما ما كانوا يسخرون منه ويستهزؤون به، ويتهمونه بالكذب والخيانة، ويصفونه بأنه ساحر وكاهن ومجنون، وحاشاه، صلى الله عليه وسلم، من كل ذلك. ومع هذا لم يكن، صلى الله عليه وسلم، يعاملهم بالمثل، وإنما كان يربأ بنفسه عن مثل هذا السلوك وهذه السقطات، متحلياً بالحكمة والحلم والصبر على ما يقولون في حقه من أقاويل كاذبة وسيئة وبذيئة، امتثالا لقوله تعالى: (فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب)، وقوله أيضا: ( واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا).
ولكون الطبيعة البشرية اقتضت أن يحس الإنسان بالألم ويشعر بالغبن وضيق الصدر إذا ما وقع عليه أمر مخالف لما هو عليه من سلوك معين، فإن هذا ما جعل الرسول، صلى الله عليه وسلم، على اعتباره بشرا، بنص القرآن الكريم، يتأثر أحيانا من جراء ما يلقى عليه من أقاويل باطلة من قبل هؤلاء الناس، ونقصد بهم اليهود وكفار قريش، ولذلك جاء التوجيه الرباني الكريم ليقول له، كما في كتاب الله العزيز: (ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين). أي انشغل بالتسبيح والصلوات وكافة العبادات حتى يأتيك الموت والانتقال إلى الآخرة.
فعلى الذين يواجهون مثل هذا السلوك السيئ والمزعج حقاً أن يدركوا تماما أن ما يقوله الناس فيهم ليس شرطا أن يكون صحيحا، كما أن الثقة بالنفس تعد من أنجع الطرق للتغلب على مثل هذا السلوك غير المرغوب فيه. ومن عرف نفسه، على حد تعبير سفيان الثوري، رحمه الله، لم يضره ما قاله الناس فيه. قال تعالى (ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا)، وفي هذا توجيه لنبينا محمد، صلى الله عليه وسلم، بألا يحزن على ما يقوله الآخرون فيه أو في دينه الذي جاء به من عند الله، فإن العزة لله جميعاً.
هكذا كان، صلى الله عليه وسلم، يواجه مثل هذه السلوكيات غير الأخلاقة، ولذلك ما أحوجنا لاتباع منهجه، صلى الله عليه وسلم، في هذا الشأن وغيره، حتى ننأى بأنفسنا عن الوقوع في مثل هذه السلوكيات السيئة والضارة، تحقيقا لقوله، عليه الصلاة والسلام، «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وسنتي».