من وراء النافذة

كلّنا من الخارج نبدو جميلين، أو على الأقل مقبولين بعض الشيء، لكن ما إن نتعمّق في العلاقة حتى تبدأ العيوب الشخصيّة تظهر في الذي كنّا نراهُ ملاكًا لا يخطئ.
لهذا حينما نُعجب بأحدٍ من شكله العام وأقصد هنا شخصيته الظاهرة للجميع علينا أن نفهم أنّ هناك جانبا سيئا في هذه الشخصية لا يظهر كثيرًا، وإن ظهر فمحاسنه تظهر أكثر.
لهذا كان التعايش نقطَة فصلٍ في الأمر، ولهذا قالوا «السفر يُسفر عن الرجال»، لن أتحدّث عن الشخص الذي يكتشف الآخرين بعد العلاقة وتتغير نظرته، بل عن تعامل الشخص مع نظرة الآخرين لمـن هو متعمّقٌ في العلاقة معه.
ليس من حسنِ السلوكِ أن نبيّن للآخرين عيوب شخصٍ ما نحنُ على علاقةٍ معه لشخصٍ يراهُ من وراء الزجاجة، أو حتّى نلمّح إلى هذا. مثلَ قولنَا «لا يهمّك هالرجال» أو «أعرفها .. لا تهمّك» ليس من الأدبِ في شيء أبدًا، ومن النبل أنّك حتى وإن انقطعت بك السبل عن ذلك الشخص لا تحاول تشويه صورته العامّة الجميلة التي يراها الناس من خلال ما يظهر لهم كمشاهدين من خلف النافذة. كونُك دخلت إلى البيت وصعدتَ درجَ القلبِ للدور الثاني لا يحقّ لك أن تتّخذ من هذا وسيلةً للتحذيرِ من البيت، فالأمر الذي لا يروقك قد يروق غيرك، وعطرُ التسريحة الذي لا تطيق رائحته قد يروق لغيرك ويكون عطره الأجمل، لهذا حينما نُسأل عن شخصٍ «ما رأيك فيه؟» وهو مقدمٌ على زواجٍ، من الخطأ أن أقول عنه تفاصيل لا تعجبني وأمورًا ليست جوهريّة، وكلامًا يصفُ ما تحتَ السرير وما في صندوق أسراره، جميلٌ أن نحترم علاقاتنا، وأن نبقيها بعد انقطاعها ذكرى جميلة، لا سوطًا نهدّد به من تشاركنا معه الضحك والابتسام، ولا علامة تحذيرٍ ننفّر منها كلّ قادمٍ.
ليس على كلّ التجارب أن تنجح، وليس علينا أن نتحدّث عن الآخرين الغائبين بسوء، زاعمين أنّنا نفعلُ للآخرين خيرًا بهذا التحذير، والبعض يخرج نفسه من التهمة! فـ»اتهام الغير تبرئة للنفس» ولعلّ من أجمل ما قيل في الشأنِ هذا، ما قاله جلال الدين الرومي: «لعلّ الكثير من العيوب التي أمضيتَ وقتك ملاحظًا إياها في الآخرين، ما هي إلا انعكاس لحالك أنت».