زرنا فجأة كل سنة يا أمير

الخير والسعادة والمنفعة تقع على رؤوس مثلث يضم بداخله العمل، بحيث إن صدق وإخلاص الداخل يحقق الخارج ويربيه. العمل الذي مرامه بناء وطن وتحقيق نهضته، العمل الذي يرضع من ثدي النقاء ويتربع فوق هامة الصفاء، العمل الذي يصبو إلى خدمة إنسان المكان، العمل الذي لا يخالطه كذب ودجل، الذي لا يشهده الشيطان... هو ما تحتاجه أرضنا ويبتغيها إنسانها، بعيدًا عن التصنع الزائف الذي أدمل قلوب الغيورين على هذا الوطن. كمية من الكذب المدبلج بأيد وطنية تزين السجاد الوثير الذي تسحقه أقدام المسؤول، فما إن يعلن مثلاً عن موعد زيارة أمير المنطقة لإحدى المحافظات حتى تنتفض المدينة بجلها تنكأ الظلام عن الشوارع المتوشحة بالسواد، وتخلع زينتها المقلدة لتتحلى بأجمل وأغلى الحلل، شوارع تخلق، ومطبات تختفي، وحفر تردم، وطرق ترمم، وأعمدة إنارة قزمة تخلع وأخرى شامخة تزرع، أرصفة تطلى، وأخرى تبنى، الأشجار المنسية تسقى، وتقلم وتهذب بأناقة، الشوارع المتسخة تنظف، لافتات تستحدث، ولوحات اليوم الوطني السابق تزال بعد طول أمد، أياد عاملة تنثر في الطرقات، تعمل لتنجز قبل الموعد المرتقب.... كذب وهراء وعباءة خادعة تعتمرها مدننا مع الزيارات المعلن موعدها، مما جعل دماغي يختمر أمنية بأن يزورنا الأمير كل سنة مرة.
هذا التصنع والظهور بغير الحقيقة التي يفقهها إنسان المكان ليست حكرًا على الشارع فقط، بل هو صورة متكررة يتغير فيها المكان والأشخاص وأدوارهم، ويبقى شاهدًا عليها الإنسان الحالم وهذا الوطن، في المدرسة مثلاً المعلم يتفنن في الشرح عندما يسمع زمجرة المسؤول – المدير - أو أحد أتباعه – وكيل أو معلم متعاون مع جوقة الكراسي المتعفنة - تقترب من الفصل، الموظف يغلق حسابه بتويتر والفيس بوك ويدخل على نظام الدائرة عندما يهجم عليه الديناصور الأعظم، حتى المؤسسات الخاصة التي يتقاضى فيها العامل النزر اليسير مما يحصده سيد المال، تجد العامل يبدي فصولا من التفاني دون أن تخفت طاقته بحضور رب المال.
هذا وأكثر يجعل الأرض تضيق، يجعلها تفوح برائحة الفساد، يجعلنا نرسم دوائر سوداء ملطخة بالشؤم حول العديد من الأسماء.
هل هذه التصرفات تعدها هيئة مكافحة الفساد فسادًا يوجب العقوبة، بعد خطوتها المشكورة في تطهير الاحتفالات من التزلف للمسؤول ومحاولة حشو أذنه بالمدائح؟