محمد العباس: لهاث المثقف وراء الحدث السياسي يضعف النص الأدبي

العباس انتقد وهو يتحدث عن علاقة المثقف بالتحولات من حوله لهاث المثقف وراء الحدث السياسي الذي بدا واضحا جدا، معتبرا أنه يؤثر على النص الأدبي بقوة، كما رفض ربط توهج المنجز الإبداعي والثقافي ببيئة دون أخرى، مبينا أنه يمكن أن يتألق شكل من أشكال الإبداع في أي منطقة لأسباب موضوعية تتعلق ببنية المكان وطبيعة البشر الذين يحركون آلية الإنتاج في تلك البقعة في الوطن، كما تناول عدة مواضيع في لقاء "مكة" معه.

1- كيف ترى لهاث المثقف وراء الحدث السياسي، ألا يؤثر ذلك على مشروعه؟

لهاث المثقف وراء الحدث السياسي والذي بدا واضحا جدا يؤثر على النص الأدبي بقوة، حيث إنه دائما عندما ينهض المشروع الديني أو السياسي يتراجع المشروع الثقافي ولكنه لا يموت دائما، فالمشروعات اللا ثقافية حياتها ونفسها قصيران، وبالتالي تنتهي بسرعة وفي هذه الحالة يعود المثقف مرة أخرى إلى مواقعه الأساسية والرئيسة وهي الثقافة.

2- هل تغير مفهوم المثقف مع كثير من الموجات الثقافية والسياسية؟

لم يعد الحديث الآن في الأدبيات الإنسانية الحديثة عن مفردة المثقف وإنما يتم الحديث عن "عامل معرفة" بمعنى أن المثقف هو عامل ينتج المعرفة التي تواكب الحدث بالتحديد ويتطور بتطورها، وهو يرد على كل حدث في لحظته وآنه.

3- ماذا عن دور الوسائط الحديثة "تويتر فيس بوك" وغيرهما، ألا ترى أنها أعادت منتجنا الورقي ونقلت مشاكلنا الثقافية إلى الفضاء الالكتروني؟

تلك الوسائل كشفت الغطاء عما نحمله من أفكار وتصورات عن العالم بشكل عام وضمن هذا العالم يقع الآخر، وتقع المفاهيم والمعاني والمنتجات الأدبية، والأحداث السياسية، فكل هذا اتخذنا منه موقفا واضحا، والتقنية لا تنفصل عن الأدب، والمجتمع في السعودية أمام معضلة يمكن أن نسميها "الحالة الالكترونية" وهي ليست حالة كما نشاهدها في تويتر وفيس بوك وفي الفضاءات الالكترونية، بل هي حالة تعتمد على المعلومة والمعرفة والخبر وتشكل التصور العام للقيمة التفاعلية مع هذه المنتجات، نحن لا ننتج المعلومة وبالتالي لا نستطيع أن نتفاعل مع هذه اللحظة الاتصالية إلا من خلال الاستهلاك، ونحن لا ننتج الخبر نحن نعلق على الخبر وكل فرد لا ينتج الشيء لا يمتلك إلا التعليق والتفاعل السلبي معه، فالمجتمع عندما يكون في حالة من حالات التردي ويذهب إلى نقطة أكثر تحضرا لا يمكن أن يقفز قفزة حضارية بل سينتقل إلى هذا المدار الواسع بأمراضه وخيباته وحماقاته نفسها وهذا ما يحدث الآن لدرجة أن التكنولوجيا بكل متوالياتها التقنية تحولت إلى عبء على الإنسان والأدب في السعودية.

4- كيف ترى المشهد الأدبي والثقافي اليوم مقارنة مع الرعيل الأول من الأدباء؟

المشهد لم يتغير كثيرا حتى مع ما يسمى بالرعيل الأول الذي كان يخضع لمؤثرات خارجية كتأثره بالدوائر الثقافية المتعارف عليها في مصر والعراق وسوريا ولبنان ويتم إنتاج النص وفق هذه الإيقاعات وهذه الحيثيات ولكن كانت تحمل هذه المنتجات بعض الخصوصية وبعض اللمسات الداخلية المحلية إذا صح التعبير، أما الآن فيحدث الأمر ذاته ولكن على نطاق أوسع، إذ لم يعد تماس النص المحلي مع المؤثرات الجغرافية القريبة لأننا نعيش لحظة معلومة أكثر، فصار التواصل ما بين المبدع اليوم وما بين دوائر ما وراء الحدود أقوى فصارت لدينا منتجات نصية وإبداعية تحمل مؤثرات الهويات الأخرى والمركبات العلمية والمعرفية والجمالية والفنية التي تأتينا من وراء الحدود، الصورة لم تتغير كثيرا ولكن ما زلنا في داخل المنتج لدينا ذلك الجزء من "الاستلاب"، النص مستلب ولا يشكل التصور الذي نريده، وهنالك فرق وتحدثنا كثيرا عن هذا الفرق ما بين أن تكتب أدبا مكانيا وأدبا مناطقيا، "المكانية" حالة مهمة جدا في أي إنتاج إبداعي لأنها تمثل أصالة وهوية، وتمثل ركيزة لتصور الإنسان وجينات المكان، أما المناطقية تعتمد على النعرة وتعتمد على الاحتفاء الرومانسي بالمكان دون أن تقدم ذلك الإبداع الحقيقي.

5- كيف يتقاطع أداء المثقف مع الرقابة، ألم تنحسر عنه مع كثرة الوسائط الإعلامية؟

المثقف لدينا ما زال تحت وطأة منظومة من "الرقابات" رقابته الذاتية في المقام الأول فهناك من يقمع نفسه بنفسه ولا يمارس تلك الحرية المتاحة والمفتوحة اليوم بشكل واسع، وهنالك الرقابة الاجتماعية، فهو يهاب الرقابة الاجتماعية التي تشكل شكلا من أشكال ما يسميه ميشيل فكو "ميكروفيزيائية السلطة"، أي السلطة المتناهية الصغر التي تتغلغل في جزيئات المجتمع فتفرض عليه وصاية تتمثل في العيب و"لا يجوز"، وبالتالي تخفيض سقف المسموح، إضافة إلى هذه الرقابات هنالك الرقابة السياسية التي ما زال المثقف غير قادر على التعاطي معها وجها لوجه، إلى جانب رقابات مملاة من خلال "رهابات" عالمية موجودة عادة ما تجعل من المبدع لا يتحرك إلا ضمن ضوابط ومواقيت وخطوط هو يعلمها.

6- أين تقف اليوم مما يدور حولك ثقافيا؟

أعيش اليوم "لحظة اكتشاف" حول ما الذي يمكن أن نستبشر به في اللحظات المقبلة لأننا أمام منعطف وهذا المنعطف هو من يحدد ترتيب الأوليات.
إذا كنت أريد أن أتحرك على ما يتطلبه المشهد فبالتأكيد سأتحرك في الاتجاه الذي تحدثنا عنه وهو اللهاث وراء الحدث السياسي، ولكن إيمانا مني بقيمة الثقافة والعبارة الثقافية والمفردة الثقافية وكذلك الثيمة الثقافية أظن أنني سوف أحوم في هذه المنطقة وسوف يكون النص هو المركز في المقام الأول، وربما أتوجه إلى قراءة ظواهر أخرى كما حدث مع صنع في السعودية ولكن الأمر لم يحسم بعد.

7- هل ما زلت تعيش لذة الكتابة وتجد ما يدفعك نحوها؟

إن مجرد فقد متعة التماس مع الكتابة وحميمية التواصل مع الأفكار والمعاني والمفردات يعني فقد مبرر الوجود أصلا وليس مبرر الكتابة، ولا أعتقد أن الدهشة يمكن أن تتسرب مما أحدث تماسي معه وأحاول ألا أكتب إلا ما أحب وأنا مقتنع به.