الأمن الفكري ومعوقاته

الأمن الفكري يعني ألا يتحول الفكر في عقل الإنسان وتصوراته إلى سبب أو دافع لإعلانه الحرب على مجتمعه، والثورة على وطنه من خلال وسائل العنف وأدوات الجريمة. والفكر بهذه الصفة فكر خطير وإجرامي، لأنه يُنتِج التهديد لاستقرار الناس وطمأنينة المجتمع، ولذلك يغدو الاهتمام بأمن المجتمع فكرياً أولوية في سلَّم الاهتمام بمعاني الاستقرار والبناء والتطور، وفي سياق العلاقات مع العالم الذي لا يمكن لمجتمع حديث الحياة بمعزل عنه.
لكن السؤال هنا: هل الفكر الذي يهدد الأمن الاجتماعي والوطني والإنساني محتوى أم أداة؟ هل هو مضمون جاهز ومنتهي الإعداد أم هو آلة تنتج فكراً له هذه الخواص؟
والسؤال، هكذا، إشكالي، لأن الفكر بوصفه محتوى أو مضموناً، يستحيل إلى آلة لإنتاج التصورات والأفكار في المسافة التي تفسره وتبرره وتقنع به. ونحن بالطبع نواجه مضامين فكرية اتهامية للمجتمع بأسره وللزمن الحديث كله، ونواجه محتوى يطفح بالكراهية والتحريض والتصنيف تجاه من يجتمعون معه بجامع الوطن والعقيدة والإنسانية، وهذا المحتوى وتلك المضامين تحملها كتب ومقالات وخطب وأشرطة ومدونات على النت وتتداولها الأحاديث في الجلسات... إلخ، وهي خطرة دون شك، لكن خطورتها تزداد حين نتمثل دورها في الإنتاج للآلية العقلية التي تشغل هذا المضمون وتعيد إنتاجه.
وأعتقد أن من أبرز الأسباب التي تعوق أمننا الفكري، ما يلي:
1- هيمنة ثقافة الرؤية الأحادية، حيث إلغاء الرأي الآخر ومصادرته وحربه. وهي رؤية تنشئ التعصب وتغذي التطرف والغلو، لأنها لا ترى في المجتمع إلا التجانس، وفي الأفكار البشرية والأشياء إلا الحدِّيَّة بين الصحيح والخاطئ والأبيض والأسود. 
2- تضاؤل قيمة العمل والإنتاج لدينا، وما يرتبط بها من أخلاقيات الاحترام للوقت، والانصراف عن الأحلام والتأملات والطوباويات، أو عن الفراغ الذي يدفع – خصوصاً الشباب- إلى البحث والتعلق بأهداف إيديولوجية أممية، وإلى الولع –أحياناً- بالتضحية والقيادة واسترخاص قيمة الحياة والعافية والسلامة.
3- عدم انتشار الحس العلمي والوعي المنهجي الموضوعي، بما يتسم به من تنظيم، وبحث عن السببية، وإيمان راسخ بنسبية الحقيقة، وأن التغير لا الثبات هو قانون الحقائق العلمية.
4-الطريقة التلقينية في التعليم، وهي طريقة تملي على المتعلم الخضوع والطاعة، وتعفيه من التفكير والتساؤل والنقد، ونتيجتها عقلية معلَّبة وقابلة للتفخيخ، لأنها بلا ذاتية وبلا حرية.
5- الهوة المتزايدة التي تفصلنا عن العصر والعالم، من خلال الطابع الاستهلاكي لطاقتنا الإنسانية.
ومن نتائج هذا الوعي الاغتراب والقلق والانغلاق والإحباط، وهي مشاعر لا يمكن أن نفصل عنها ما يمكن أن نعتبره كرهاً وحقداً وضغينة تجاه المنتج الحضاري الحديث وتجاه العالم.
إن علينا ألا نفكر في الفكر الإرهابي والصدامي مع المجتمع، معزولاً عن السياق الذي يهيئه والأسباب التي يتبادل معها التغذية والتفاعل والتكييف، فالفكر مفعول وفاعل في الوقت نفسه.