«كلنا» أطفال مكة
الاثنين، ١٣ يناير ٢٠١٤
أنا وجيلي كنا أطفالا لعمر عبدالجبار، وكنا نعرف أننا في شراكة عملية مع كل أبناء الجزيرة العربية (السعودية وحضرموت) وكذا إندونيسيا، والكتاب المقرر علينا في عنيزة هو نفسه في تلك البقاع كافة، كنا في الخمسينات الميلادية من القرن الماضي، وكانت الكتب المقررة علينا في المنهج الدراسي تتنوع ما بين التاريخ واللغة العربية والدين، ومستتبعاتها من مطالعة وتعبير وتجويد وأناشيد، وعلى كافة السنوات الدراسية الست الابتدائية، وهذه وحدة شعورية كونية فيما بين أطفال الأمة، حيث تقع عيونهم كلهم على ورقة واحدة ويقرؤون كلمة واحدة يشتركون فيها تهجيا ثم تعتعة ثم تلعثما وفي الأخير حفظا، ولك أن تتصور هذا الإيقاع الكوني عابرا لحدود المكان وجغرافية الأرض، والجامع لنا كلنا فيه هو كتاب لعمر عبدالجبار، وخصائصه أنه كتاب صغير وبسيط وتلقائي وخفيف دم وقريب لنفس الطفل.
لقد وهب الله عمر عبدالجبار حسا طفوليا جعله ينضم لنا عقليا وذوقيا حتى صار منا وفينا، يغرس كلماته في ضمائرنا حتى أحببنا به القراءة وتطبعنا على الكتب، وأحسسنا أننا في طريق الماء، وهي ذاكرة تظل فيك، وقد تغفل عنها كما تغفل عن طفولتك، ولكنها أنت بكامل شعورك بما أننا في بوتقة علمية ووجدانية رمزها مكة المكرمة وهي وحدتها الشعورية والمعرفية حيث اندمجنا مع أطفال مكة ومربي مكة عمر عبدالجبار (1900ـ 1971).
وبذا كنا كلنا أطفال مكة تلاميذ لها، وكبرنا مع جباه تسجد لربها وتعرف وهي في سجدتها أنها تتجه جسديا وروحيا وجهة مكة التي نتعلم من كتبها الصغيرة وتنبض قلوبنا بروحانيتها وبإيمان يربطنا مع الطهارة والرمز.
وأنا أكتب اليوم في صحيفة تحمل اسم مكة فإني أدرك كم أنا مكي، وكم أنا طفل لمكة وكم لعمر عبدالجبار من حق علينا، ومهما غفلنا عنه فإنه يأتي إلينا في لحظة تذكر عميقة تجعلنا ندعو لرجل حفر كلماته في نفوس أطفال جيلنا كله.