المهرجان السعودي للكوميديا.. وجه الضحك المشرق

في احتفالية المهرجان السعودي للكوميديا التي شهدتها الرياض منتصف مارس الحالي، ولمدى ثلاثة أيام اعتبرت الأضخم على مستوى الخليج، دخلت الكوميديا شكلا جديدا تجاوز إطار التسلية والترويح عن النفس إلى ملامستها قضايا مجتمعية مهمة.
فقد عمل 20 نجما من ألمع نجوم «الستاند آب كوميدي» في السعودية والمنطقة، على تجسيد ذلك بتناول بعض القضايا ومعالجتها في قالب كوميدي أنيق.
إنّ المشهد الكوميدي هو مرآة المجتمع التي تلبس الجد ثوب الهزل، وهذا الثوب تزينه بما تحب.
وهو كذلك يستر أجزاء ويكشف أخرى، ويتم تسليط الضوء عليها، ويهدف الكوميدي إلى إظهارها ومعالجتها بقالب الفكاهة الذي يُعدّ من أكثر القوالب قبولا وأنجعها علاجا.
ورغم اتخاذ هذه المشاهد كوسائل دفاعية تهدف إلى مواجهة ضغوطات الحياة، فإنّها تعاني بشكل أو بآخر في سبيل إيجاد نوع من التوازن النفسي والاجتماعي، وما بين تناول المسموح والمحظور.
وحين يصل الانفجار في الضحك حد المتعة، يكون جو التفكه والتسلية قد وصل إلى قمته، عندها يتجاوز المشهد الكوميدي إطاره التمثيلي الضيق ويتحول إلى نسيم يلطف الجو بحنوه وشفافيته.
وفي ذلك كله تكون الكوميديا ملاذا يهرب إليه الإنسان من ضغوطات الحياة وروتينها وتسارعها القاتل.
كما أنّ للكوميديا رائحة أخرى لاذعة تظهر عند الضرورة، فيبرز دورها حادا لا يتوانى عن النفاذ إلى عمق المشكلة.
كان الود لو خرجت الاحتفالية الكوميدية من الإطار الأسري الضيق إلى الفضاء المجتمعي بمناقشة قضايا اجتماعية سالبة والتركيز عليها بشكل أكبر مما تم عرضه.
فقد ناقش النجوم على خشبة المسرح من خلال تلك العروض، معاناة الأبناء مع بعض الآباء، خصوصا في مرحلتي الطفولة والمراهقة، ولم ينسَ المؤدون عقد المقارنة الثابتة بين تعامل الآباء مع الأبناء في مجتمعاتنا العربية والمجتمعات الغربية.
وعلى الرغم من أنّ المفارقة تظهر بشكل كبير عند عقد المقارنات، إلا أنّ النقد الموجه لهذا النوع من المعالجة يفرض استبعاد مظاهر المقارنة المتعنتة التي تشعر بالدونية، وتلقي في الذهن الإيمان بالنموذج البعيد المقارن المفترض فيه الكمال ويقلّل من شأن النموذج المحلي.
كما أنّ خطورة هذه المقارنات تظهر بشكل كبير في التشبيهات القابعة تحت أداء الكوميديا السوداء التي تخبئ وراء الضحكة وجها آخر لا يكفّ عن البكاء.
وإن كنا نحتاج لمثل هذا الكشف المرّ فنحن إلى الكوميديا النظيفة البريئة أحوج.
هناك الكثير جدا مما يمكن معالجته في قالب كوميدي، مثل: غلاء المهور ومظاهر الإسراف في المناسبات الاجتماعية والمظاهر السالبة في الشارع العام مثل التسول أو السرعة القاتلة وغيرها.
وعلى الرغم من محدودية العرض المسرحي الارتجالي والتي تعمل على تقيّد النجوم بمحتوى مادة معين وقضايا محدودة يتم مناقشتها، إلا أنّ هناك رضا عاما عن الأداء في بحر الثلاثة أيام من عمر المهرجان، والذي يؤمل أن يكون بذرة لمهرجانات كوميدية على مستوى دولي وبأداء عالٍ وشامل.
أجمل ما في أداء هذه الفرق الكوميدية الموجودة على الساحة الآن هو سعيها للنجاح في تدجين هذا النوع الذي يعكس الكوميديا بعيدا عن التملق والرياء.
ولكن يظل المؤمل منها كبيرا باختيار كل منها خطا مستقلا ومميزا، حتى تخرج من عباءة البراعة اللفظية إلى إشارات سريعة ونافذة.
الرسالة الكوميدية رسالة ذكية وبليغة وبالضرورة قصيرة، وعلى قدر من الحساسية الاجتماعية.
ويجب توفير هذه الشروط حتى لا تخرج الكوميديا عن هدفها، فالطريق نحو القمة شاق وطويل ويتطلب كثيرا من الجدية والاحترافية وعدم التعويل على النجومية وحدها، حتى تستطيع هذه المواهب الشابة نشر ثقافة الكوميديا على المستويين المحلي والدولي.
لقد غادرت الكوميديا بكل بساطة وظائف التسلية، وفتحت الباب واسعا من أجل تجسيد مختلف الصراعات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية بمفارقة ساخرة تتجه إلى هدفها مباشرة، ولو أنها جاءت متأخرة ولكنها في النهاية تثير كثيرا من التساؤلات في انتظار الرد العاجل.

mona.a@makkahnp.com