حارس الأموات العلواني تخلى عن الذهب بحفنة من تراب
الأربعاء، ١٩ مارس ٢٠١٤
تلك الملامح «الميتة» على وجهه «الحي» سرعان ما تستنطق لسانك إنه شاعر الزهد والورع أبو العلاء المعري.
زهد، وورع، حبس بهجة الدنيا في محاجر عينيه.. لا جزعا وإنما شعبة من الإيمان.. وإن كل شيء إلى مثل ما تقوم به كفاه صائر..
باع ذهب الدنيا، بحفنة تراب لا يملكها.. لكنه ينقلها هنا وهناك.. ساتراً بها الأجساد العارية.. إلا من أعمالها.. وما كسبت..
ليس ببعيد عن صياغته الذهب.. ولكن بجمال أسمى.. وثمن بالآجل.. راح العم نايف علواني، منذ أكثر من 35 عاما، يصوغ خواتيم الموتى، في محطاتهم الأخيرة على هذه الأرض.
كما شاءت الأقدار، كانت جيرته لمقابر المعلاة في حي السليمانية، روحانية متعلقة بالسماء وبهدوء كان لزاماً على صائغ الذهب.. كانت خطاه تحثه يوما بعد آخر.. بحثاً عن أجر الآخرة.. يشمر عن ساعديه.. يساعد في حمل الجنائز.. ويحفر المثوى الأخير لأي كان.. أنثى أم ذكرا.. صغيرا أم كبيرا.. هنا وهنا بالذات لا تهم التفاصيل بقدر.. فكما يحكي وجهه الندي بالذكر.. أنه فقد أدق تفاصيل حياته في تلك المقبرة منذ الجيرة الأولى.. وأمضى 35 عاماً في حناياها يحفر هنا ويدفن هناك.. وكأنه يدفن تلك التفاصيل الفانية..
حارس الأموات العلواني يؤكد «لم أجد الراحة يوما، مثلما وجدتها هنا في مقابر المعلاة، ومن البديهي أن تسكن الروح ويتعلق القلب بالله عز وجل، وبعد توديع الراحلين من أمتنا ينتهي يومي بأرق نوم يتسلل إلى روحي قبل أن أطبق جفن على آخر، وكل عشمي بعد أن حفرت في كل شبر من المقبرة العتيقة قبرا، أن يتوسد رأسي بعد موتي لحدا في ثراها الطاهر بين صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم».
يا عم نايف، هل بالفعل أبدلت الذهب بالتراب، جدلاً يا علواني، مع كثرة خطاك في المقبرة التي حتماً تعرف خطاها لا نقول لك، إلا ما قال شبيهك.. خفف الوطء ما أظن أديم.. الأرض إلا من هذه الأجساد.