التسول تعددت الجنسيات والهدف واحد
الاثنين، ١٧ مارس ٢٠١٤
لم تتجاوز الساعة التاسعة صباحا، عندما بدأنا جولتنا داخل عشوائيات جنوب جدة، فازدحام الشارع الرئيس بالمارة عند إشارة المرور المحاطة بفتيات متسولات يستجدين بكلمات تداعب أحلام سائقي السيارات والركاب على حد سواء استوقفنا عندما سألتني إحداهن بعربية متكسرة «الله يعطيك فلوس ويزوجك!».
أمام إلحاح الفتاة وسيل الدعوات التي كانت تستجدي بها كرمي، قررت أن أعطيها خمسة ريالات في محاولة يائسة مني، للخروج بمعلومات بسيطة عن مكان وجودها ومن يقوم على تشغيلها! أخرجت الخمسة الريالات، ولوحت بها أمام عيني المسكينة، وقبل أن أعطيها إياها سألتها عن جنسيتها فأشاحت بوجهها نحو الإشارة التي كانت تعلن أن أمامي دقيقة واحدة للحصول على إجابة!لم تكن مفاجأة جنسيتها التشادية، غير أن ما دعاني للعجب أن البقية الواقفة عند الإشارة، لم يكونوا سوى أقربائها، يجمعهم سقف واحد! قبل أن تفرقهم شمس الصباح، وتضمهم شوارع جدة الفسيحة للتسول في أرجائها، فيما تكون العودة مساء، بمحصلة تتجاوز في بعض الأحيان الـ150 ريالا يوميا! ناهيك عن المواد الاستهلاكية والغذائية.
سامي السائق الذي كان بارعا بدرجة مرشد داخل الأزقة عجز عن الوصول إلى أماكن المتسولين، داخل الأزقة التي ينتهي بعضها إلى أحواش مسورة، ومنازل متهالكة، وفي الغالب لجدار عازل لا تملك عند الوصول إليه إلا العودة من حيث أتيت، ولأننا حتى الساعة 11 صباحا لم يتسن لنا رؤية ما يدل على وجود ملامح سعودية في المكان، الأمر الذي حملنا على الاعتقاد أن المنطقة برمتها خاصة بذوي الأصول الأفريقية.
قررنا الانتقال لمنطقة السبيل التي تضم متسولين من الجنسية اليمنية، إذ لم يمنع وجودهم بأغلبية ساحقة في الحي، الأفارقة من إيجاد موطئ قدم لهم، واقتسام كعكة التسول مع جيرانهم اليمنيين، إلا أن التسول داخل الحي والشوارع المتاخمة لم يكن بصورته النمطية للمتسول، بل إن التسول يكاد يكون في حي السبيل مهنة قائمة بحد ذاتها، لا تتطلب من ممارسيها التجول وطلب المساعدة بقدر ما تتطلب بصمة مكانية تتيح للآخرين تحديد مكان المتسول فقط!التسول الذي أصبح مهنة من لا مهنة له، اتخذ قوالب أخذت من جنسيات من يمتهنها، وهو ما يبدو في الطريقة الأفغانية التي لا تحتاج كبير جهد لاستجداء المارة، لأن بيت الشعر القائل نظرة فابتسامة دون كلام كفيلة بأن تمنح الأفغان مبالغ مالية ترضي الطموح، ناهيك عن دلال الأفغانيات الصغيرات، المتسق مع نخبوية شارع التحلية، ملعب تسولهن، لاستمالة السيدات الكبيرات بشكل خاص.
بدوره، اعتبر الأمين العام للجنة الدائمة لمكافحة جرائم الاتجار بالبشر، بدر باجابر، التسول ثالث أكبر دخل، بعد تجارة المخدرات والسلاح، على مستوى العالم، مؤكدا على صدور أحكام قضائية ضد أشخاص أُدينوا بجريمة التسول.
وأوضح باجابر أن التسول جريمة منظمة تدخل ضمن جرائم الاتجار بالبشر، بحسب المادة الثانية من النظام الأساسي للحكم، التي «تحظر الاتجار بالبشر بهدف استغلال نقاط الضعف لديهم»، موضحا أن «80% من المتسولين من غير السعوديين»، لافتا إلى أن العقوبة كما نص عليها قانون مكافحة التسول، الصادر في 21-7-1432.
بمرسوم ملكي؛ تصل لمليون ريال غرامة مالية، بالإضافة للسجن لمدة تصل لـ15 سنة.
وأبان أن العقوبة تكون أشد في حالات استغلال الأزواج لزوجاتهم وأبنائهم، كما حدث في بعض الحالات التي رصدتها اللجنة، ووصف باجابر الآلية التي تتعاطى عبرها إدارة مكافحة التسول بـ»غير المجدية»، كون التعاطي معها يستند إلى قبولها مجتمعيا وإن كان بشكل نسبي، مع أن الشرع يضعها في موقع الحرمة، ناهيك عن شكلها المهين إنسانيا!