أسئلة الأزمة الأوكرانية
الاثنين، ١٧ مارس ٢٠١٤
مع وقوع الهيمنة الروسية على جزيرة القرم الأوكرانية، استذكر الغرب الواقعة التي سبقت الحرب العالمية الثانية وكانت إحدى أخطر نُذرها، وهي احتلال ألمانيا النازية لإقليم السوديت التشيكي في العام 1938.
وفضلاً عن هذا الخاطر المقلق، ساد الشعور في الغرب، بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، يبدأ حرباً باردة جديدة، كتلك التي انتهت تماماً بانهيار الاتحاد السوفياتي.
بالمقابل، اتهم المعلقون الروس الغرب بالتآمر للإطاحة بحكومة منتخبة في أوكرانيا، وبدعم عصبة «فاشية» ناشطة فيها.
وفي هذا السياق، هناك ثلاثة إشكالات رئيسة.
أولاها هي الجواب عن السؤال: هل الذي حدث في أوكرانيا، وفي العاصمة كييف على وجه الخصوص، ثورة أم انقلاب؟ معلقون كثيرون في الغرب، يرون إن الاحتجاجات التي أدت إلى إطاحة الرئيس فيكتور يانوكوفتش تمثل ثورة.
لكن المعلقين الروس يرونها انقلاباً فاشيّاً.
وفي الحقيقة، ليست أياً من الرؤيتين هي الحقيقة على وجه الدقة.
صحيح أن حكومة يانوكوفيتش كانت فاسدة واستبدادية وشديدة القسوة، لكنها على الرغم من ذلك كانت منتخبة ديموقراطياً! غير أن الصحيح أيضاً، هو أن كون الرجل قد انتخب ديموقراطياً؛ لا يعني أن المواطنين لا يملكون الحق في إطاحته خارج صناديق الاقتراع.
فلا يمكن اختزال الحق الديموقراطي للمواطن، بورقة يُلقي بها في الصندوق.
فمن حق المجتمع أن يعطي رأيه فيمن يحكمه، بعد فترة اختبار لجدارته وأهليته، لأن وجهة الشارع وحركته والرأي العام، أبلغ وأهم مما تقوله الصناديق في لحظة معينة، وهذا هو ـ بالضبط ـ جوهر السياسة!فقد اندلعت الاحتجاجات الشعبية، في ميدان الاستقلال في كييف، بمضامين ديموقراطية أعمق في حيثياتها من العملية الانتخابية، إذ عبرت عن غضب شعبي عارم، مثلما حدث في 30 حزيران (يونيو) 2013 في مصر، احتجاجاً على حكم جماعة «الإخوان» والرئيس مرسي.
لكن ضعف القوى الليبرالية في أوكرانيا، سمح لأقصى اليمين في البلاد، أن يلعب دوراً مركزياً، تماماً مثلما كان ضعف القوى الحزبية الليبرالية في مصر، سبباً في اضطرار الجيش إلى الإمساك بدفة الحكم في البلاد خلال المرحلة الانتقالية.
ففي أوكرانيا، لعب البلطجية (أو الشبيحة) والنازيون الجدد، دوراً ظاهراً في الأحداث، وتنبه المعلقون في الغرب لوجودهم في شوارع كييف وأدانوه لفظياً، على الرغم من تقبلهم له أثناء الأحداث، لأنه كان عاملاً مساعداً على إطاحة يانوكوفيتش.
ومع أن نسبة كبيرة من المحتجين كانت من الديموقراطيين والتقدميين؛ فإن الحكومة التي تسلمت الحكم بعد إطاحة الرئيس المنتخب؛ ليست في الواقع ديموقراطية ولا تقدمية.
فقد لعب الدور الأبرز في اختيارها وحسم أمرها وزراء خارجية ألمانيا وبولندا وفرنسا، وهم أنفسهم الوزراء الذين نظموا وأشرفوا، قبلئذٍ، على المفاوضات بين يانوكوفيتش والمعارضة.
وسرعان ما أظهرت الحكومة الجديدة استبداداً يضاهي الحكومة المطاح بها، إذ كان أول مرسوم بقانون، أصدرته، يتعلق بحرمان المناطق التي يقطنها مواطنون من أصول روسية، من حق لغتهم في أن تكون لغة رسمية معترفاً بها، واقتصار الاعتراف الرسمي على اللغة الأوكرانية، ذلك علماً بأن هذه اللغة الأخيرة، لا يتكلمها 40% من مواطني أوكرانيا الروس أصلاً، فضلاً عن 5% من أصول أخرى!الإشكالية الثانية، هي تلك التي تمثلها عملية الاستفتاء في جزيرة القرم.
فهل تنفصل الجزيرة عن أوكرانيا؟ إن الروس يصرون على أن هدف الاستفتاء يتركز حول رغبة سكان الجزيرة في الانفصال عن أوكرانيا والانضمام إلى روسيا، ويرون في ذلك حقاً في تقرير المصير.
لكن الغرب يشجب هذه الوجهة ويعتبر الاستفتاء غير قانوني، ويتعارض مع القانون الدولي ومع الدستور الأوكراني، ويرى في مثل هذا الاستفتاء، مع وجود القوات الروسية في الجزيرة، وسيطرة الحكومة المحلية على وسائل الإعلام؛ عملية تلفيق تفتقد إلى الشفافية.
ثم إن هناك أقلية مسلمة من أصل تتاري في الجزيرة، عبرت عن مخاوفها من الهيمنة الروسية!لكن حقيقة الأمر في جزيرة القرم، كما أظهرتها عمليات مسح واستطلاعات رأي أجرتها مراكز محايدة، هي أن 30% فقط من سكان الجزيرة يعتبرون أوكرانيا وطنهم الأم!الإشكالية الثالثة تتعلق بالجواب عن السؤال: هل تعكس الأزمة الأوكرانية صراعاً بين روسيا والغرب؟ معلقو الغرب يقولون إن الأزمة ليست كذلك، وإنما موضع الخلاف فيها، يتعلق بالقيم الديموقراطية المتصلة بالغرب، بينما المعلقون الروس يرون في التدخل الغربي، عملاً استفزازياً ضد نظام ديموقراطي!