العثمانيون يعودون من الصومال

فيما يتبختر شباب صوماليون في أحياء مقديشو وشوارعها بلغتهم التركية التي يرطنون بها، يعتصر قلب الآباء والغيورين ألم من تغلغل الأتراك في مجتمعهم على حساب اللغة العربية.
وانتشار اللغة التركية في الصومال ليس ظاهرة اجتماعية نشأت من تلقائها وأخذت تجتذب الناس إليها، بل هي عمل ممنهج لتتريك هذا البلد العربي تقوم به الحكومة التركية منذ نحو 3 سنوات من خلال المدارس وبعض المؤسسات.

عودة العثمانيين

منذ زيارة رئيس الوزراء التركي رجب طيب إردوغان الشهيرة إلى الصومال في أغسطسس 2011، أخذ النفوذ التركي في البلاد يزداد بشكل ملحوظ، بعدما اتخذ من العون الإنساني لمتضري الجفاف، بوابة لدخول التتريك إلى الصومال، عبر المؤسسات التعليمية، إذ “صودرت” مدارس حكومية صومالية كثيرة، وأحضر معلمون أتراك بمناهجهم الدراسية البحت، وراحوا ينشرون ثقافة بلادهم العثمانية ولغتها في هذا البلد العربي الأفريقي الذي أرهقته حروب مدمرة منذ سنوات طويلة.

نايل وأناضول

وتفيد إحصاءات حصلت عليها “مكة” أن الصوماليين الذين باتوا يجيدون اللغة التركية في مقديشو وحدها، يتجاوز عددهم الـ6 آلاف، أغلبهم من الشباب وخريجي المدارس الثانوية.
وما يثير دهشة المعنيين بالشأن التربوي والتعليمي، أن هذا الأمر حصل خلال عامين فقط.
ففي منتصف 2012، أخذت مؤسستا “نايل” و”أناضول” التركيتان من الحكومة وبموافقة وزارة التربية والتعليم، نحو 13 مدرسة ثانوية ومعهدا عاليا، وهي من المؤسسات التي تأثرت بالحروب الأهلية الطاحنة، فرممتاها وحولتاها إلى مدارس خاصة بإشراف مؤسسات تعليمية تركية.
ولم يكتف الأتراك بتدريس لغتهم فقط، بل أنشؤوا منظومة مكونة من السفارة التركية في مقديشو وعدد من المؤسسات التعليمية التركية، وهيئات إغاثية وشركات خاصة تعمل في مجالات كثيرة منها الأمن، توفر فرص عمل للذين يجيدون اللغة التركية فقط، وذلك لتحفيز خريجي المدارس الثانوية والجامعات لتعليم اللغة التركية والاستفادة من الفرص المتاحة في هذه المؤسسات النشطة في العاصمة منذ زيارة إردوغان.

التركية أولا

ويعتبر مدير مدرسة بدير التركية محمد علي إيلبير أن اللغة التركية ستمثل جسرا بين الصومال وتركيا، لأن الجيل الصومالي الجديد لديه رغبة في تعلم التركية.
ويقول: طلاب المدارس التركية لا يدخلونها قبل أن يتعلموا اللغة لأن المنهج هنا تركي والمدرسين أتراك.
ويوضح إيلبير أن اللغة التركية تنتشر في الصومال أسرع مما كانوا يتوقعون.
ويقول: الصوماليون يتحدثون التركية أسرع مما كنا نعتقد قبل مجيئنا إلى هنا، بينما أنا لم أستطع تعلم اللغة الصومالية رغم أنني مكثت في مقديشو سنين.

استعمار جديد

في المقابل، يقول التربوي الصومالي علي باشي شيخ لـ”مكة”: بدا الدور التركي إيجابيا في نظر الصوماليين، عندما كان مقتصراً على مساعدة النازحين بسبب الجفاف، لكن الأمر أصبح عكس ذلك عندما أخذ الأتراك دور الحكومة في التعليم، وراحوا يدرسون منهج بلادهم وبلغتهم، واصفاً الأمر بأنه “مخالف لتقاليدنا وعاداتنا”.
واعتبر شيخ أن هذا الأمر يكاد يحول الصومال إلى مستعمرة تركية إذا ما استمر الحال كما هو الآن في المدارس.
وأضاف: تخيل إذا اكتملت الخطة التركية ماذا يحصل؟ كل المدارس الحكومية تتحول إلى مدارس تركية فيتخرج منها طلاب أتراك وليسوا صوماليين، لأن الأبناء يأخذون تقاليد أساتذتهم.

ضاهت الإيطالية

واللغة الرسمية للبلاد هي الصومالية والعربية ثم الإنجليزية.
ويرى المتخصص في علم اللغات عيسى عبداللطيف أن الحملة العثمانية أو التركية تشكل خطرا على اللغة الصومالية أولاً ثم العربية ثانيا، لأن السرعة التي تنتشر فيها هذه اللغة تفوق السرعة التي انتشرت فيها الإيطالية إبان الاستعمار (1920 - 1935)، لافتاً إلى أن هناك تباطؤاً في قرارات الحكومة، لأن اللغات الرسمية في البلاد في خطر.
وأضاف عبداللطيف: الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، بل هناك تحفيز للموظفين وإجبارهم في بعض الأحيان على تعلم اللغة التركية.

اندثار العروبة

ومنذ انضمام الصومال إلى جامعة الدول العربية (1977)، كانت اللغة العربية تزدهر في البلاد وأصبحت اللغة الرسمية في حقبة العسكر، وعندما انتشر التعليم الأهلي.
وكانت دول عربية في مقدمها السعودية والإمارات، تدعم وما زالت، روابط التعليم الأهلي في الصومال التي تجمع كل المدارس الخاصة في الصومال، والتي تعتمد منهجا عربيا وطنيا يحافظ على وطنية التلاميذ أولاً، وعروبة البلاد ثانية.
ويبدي عبداللطيف خشيته من اندثار عروبة الصومال بسبب الغزو التركي المتزايد، إضافة إلى صمت الحكومة الهشة.
وتابع: “السعودية كانت ترسل إلى الصومال سفنا بالكتب والمقررات يستيفد منها طلابنا في فترة لم نكن نعرف فيها الأتراك ولم يكن أحد يأتي إلى بلدنا عندما كان مشتعلا، وما يؤسفني الآن، أن كل المدارس الحكومية ستكون تركية، وهذا يعني أن اللغة الرسمية ستصبح التركية في أقل من عشرة أعوام”.


تغيير أسماء المدارس والشوارع

تم استبدال اللغتين الصومالية والعربية بالتركية، وكذلك تم استبدال الأساتذة الصوماليين بأتراك، والمنهج العربي الصومالي بتركي، حتى جاء دور المدارس فتم تغيير أسمائها، وهي مدارس حكومية تاريخية خرجت آلافا من الأبطال والزعماء، وذلك “بغرض محو الثقافة الصومالية من ذاكرة الجيل القادم، للتمهيد لغزو ثقافي يسبق عادة استعمار القرن”، بحسب تقييم المهندس أحمد طقني، الذي تخرج في مدرسة “بولو تكتكو” عام 1981، وهي المدسة نفسها التي سماها الأتراك بـ”البدير”.
كما تم تغيير أسماء عدد من المدارس بينها مدرسة “بنادر” التي تحمل اسم ولاية بنادر التي تقع فيها مقديشو، إلى “كيبلونوما”.
وهذا الأمر لم يقتصر على المدارس، بل طال كل الأماكن التي تم ترميمها في مقديشو مثل المستشفيات والشوارع، كما سيتم قريبا تغيير اسم أكبر شارع في مقديشو من شارع “القلب” إلى “اسطنبول”.


المدارس الحكومية أغلى من الخاصة

على الرغم من أن المدارس التي صادرتها مؤسسات تركية هي مدارس حكومية، إلا أنها أصبحت الأغلى في الصومال إن لم تكن في المنطقة كلها، من حيث الرسوم المدرسية إذ يدفع أولياء الأمور 2500 دولار سنويا عن كل طالب، إضافة إلى مصاريف السكن والعلاج والحاجات المدرسية الأخرى.
وكشف مدير مدرسة بدير التركية التابعة لمؤسسة “نايل” لـ “مكة” أن مدرسته تحضن أكثر من 400 طالب صومالي في قسم البنين، و250 في قسم الطالبات.
وقال: “نحن هنا لمساعدة أبناء الصومال ونوفر لهم تعليما مثاليا جيدا لننقذهم من الجهل الذي هو أساس الحرب في بلدهم”.
وكيف تتحدث عن مساعدة والرسوم المدرسية تتجاوز 2500 دولار سنويا؟، أجاب: التعليم الخاص دائما أغلى من التعليم الحكومي، والجودة هي التي تميز مدارسنا عن المدراس الأخرى في مقديشو”.
وأوضح إيلبير أن مجموع المدارس التابعة لمؤسسة “نايل” يصل إلى 4 مدراس ثانوية، وهناك 3 أخرى سترمم في وقت لاحق من هذا العام، بينما تتولى مؤسسة “أناضول” 3 مدارس ثانوية وأخرى ابتدائية في مخيم للنازحين في مقديشو.
وأشار إلى أن 140 معلما تركيا يعملون في هذه المدراس بشكل رسمي، وهناك أساتدة يأتون إلى هنا أحيانا لتدريس بعض المواد ثم يعودون إلى تركيا، بينما لا يتجاوز عدد المعلمين الصوماليين الـ 3 فقط لأغراض الترجمة ومساعدة المعلمين الأتراك.


1500 طالب في الجامعات التركية

تمثل المنح الدراسية التركية لطلاب الصومال، حافزا آخر لجذب أكبر عدد ممكن للالتحاق بهذه المدارس وترك المدارس العربية، إذ تمكنت المؤسسات التعليمية التركية من نقل 1500 طالب صومالي إلى تركيا في السنوات الثلاث الماضية ليلتحقوا بجامعات في تركيا، وذلك بعد أخذ دورات في اللغة التركية، ليزداد عدد المنح المقدمة للصومال من جميع الدول العربية في عام واحد.
وتحدث مدير مدرسة بدير التركية محمد علي إيلبير لـ”مكة” عن خطة مستقبلية لفتح فروع تابعة للجامعات التركية في مقديشو لتفادي الكلفة المرتفعة لنقل الطلاب وسكنهم في تركيا، وذلك بعد تخريج الدفعات الأولى من طلابهم في المدارس الثانوية.


تعلم التركية لتحافظ على عملك

لم يكتف الأتراك بالتعليم النظامي فقط لنشر ثقافتهم ولغتهم في الصومال، بل اعتمدوا وسائل أخرى منها فتح مدارس خاصة لتعليم الكبار باللغة التركية وإعطاء الأولوية في فرص العمل في مؤسساتهم للذين يتحدثون التركية، مما أدى إلى إقبال كبير على معاهد تقدم دورات سريعة للغة التركية للاستفادة من الفرص المتاحة في الميناء والمطار والمستشفيات التي ترعاها المؤسسات التركية.
وتقول عائشة الموظفة في شركة “فايفوري” التركية التي تدير مطار مقديشو الدولي، إنها تدرس اللغة التركية في معهد خاص لحماية وظيفتها في المطار، لأن اللغات الثلاث التي يجيدها (الإنجليزية والعربية والصومالية) لم تعد كفيلة بأن تواصل عملها، ولذا تجتهد في تعلم أساسيات لغتهم “أعتقد أنها مهمة في هذه الأيام”.
وتضيف عائشة وهي خريجة الأزهر أن “العجيب في الأمر أن الموظفين في المؤسسات الحكومية يفقدون وظائفهم بسبب عدم تحدثهم التركية ولا أحد في الحكومة يتدخل في ذلك”.
وتحتكر شركة فايفوري التركية القابضة إدارة مطار مقديشو الدولي بموافقة الحكومة الصومالية وبدون أي منافس، ومن المحتمل أن تصادر شركة أخرى تركية الميناء، بينما تنشط شركات تركية في بناء وإعمار مقديشو.