كيف نحافظ على الأماكن الأثرية والتاريخية؟

ألقى الأخ الراحل الأستاذ هاني فيروزي، رحمه الله، عددا من المحاضرات والندوات التي تحدث فيها عن الأماكن التاريخية الإسلامية في مكة، ولقد عدد أكثر من مائة وثلاثين موقعا له صلة وثيقة بالتاريخ الإسلامي، بعضها له صلة وثيقة بالعقيدة والدين الإسلامي، بعض هذه المواقع معروف وظاهر لا يحتاج إلى تعريف، مثل مقام إبراهيم والحجر الأسود والركن اليماني والصفا والمروة وموقع المولد النبوي وبئر زمزم وغار حراء وغار ثور وعرفات ومنى ومزدلفة، وهناك مواقع أخرى تحتاج إلى دراسة لإثبات وتأكيد مواقعها.
ومن منطلق التعريف بهذه المواقع أقترح تكوين لجنة من الباحثين المهتمين المتخصصين في هذا المجال، برئاسة أحد كبار الشخصيات العلمية المتخصصة، ويفضل أن يكون من أهالي مكة المكرمة، لتقوم هذه اللجنة بتحديد هذه الأماكن والتأكد من مواقعها بصورة بحثية علمية، ومن ثم وضع لوحات رخامية كبيرة تعطي شرحا مفصلا عن الموقع وأهميته ومكانته في التاريخ الإسلامي.
ونحن نعلم كم يزخر التاريخ الإسلامي بتعدد أماكنه، بل إن التاريخ الإسلامي دائما ما يربط المكان بقصصه في القرآن الكريم أو يحكي عن أماكن حدثت فيها مواقع عظيمة، أو أماكن ترتبط بالعقيدة مثل الحج، وهذه بعض الأمثلة: (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ) (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى) (والتين والزيتون‏،‏ وطور سينين، وهذا البلد الأمين) (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ)، كما ذكرت لنا كتب السير مواقع خاصة بسيرة نبينا وحبيبنا سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم، مثل مواقع غزواته وخطط سيره في هجرته، وأماكن صلى بها أو اغتسل فيها أو استراح أو جلس عندها، وأماكن عسكر فيها مثل مر الظهران (الجموم حاليا)، إضافة إلى الأماكن الخاصة بخلفائه وصحابته، رضوان الله عليهم.
ومن هذه المنطلقات أقترح أن توضع لوحات كبيرة في هذه الأماكن تشرح ما كان عليه المكان، ولنأخذ مثالا لذلك موقع (مر الظهران) حيث أقترح أن توضع له لوحة على الطريق السريع مكة المدينة، بمحاذاة (الجموم) ترشد إلى المكان الذي عسكر فيه جيش الفتح، وفي ذات الموقع توضع لوحة أخرى كبيرة تبين مكان المعسكر وتاريخ قدوم وعدد أفراد الجيش وأسماء الصحابة المعروفين فيه، وقصة إسلام أبي سفيان في ذلك المكان، والمسارات التي دخل منها جيش الفتح، وكذلك موقع الحديبية (الشميسي حاليا) الذي احتضن صلح الحديبية بين المسلمين ومشركي مكة، علما أن بوابة مكة التي تقع على خط مكة جدة السريع تحاذي موقع الحديبية بالشميسي، ويكتب على اللوحة شرح مفصل عن صلح الحديبية وبنود الصلح.
ثم تحدد أماكن أخرى مثل المساجد التي أزيلت وتوضع في أماكنها لوحات مماثلة، كما تحدد قبور الصحابة، رضي الله عنهم، المدفونين في مكة أو حولها، ووضع لوحات ترشد إليها وتعطي معلومات عن الصحابي، كما يجب وضع لوحة أمام مسجد السيدة أم المؤمنين عائشة، رضي الله عنها، بالتنعيم تبين لماذا اختير هذا المكان ليكون مسجدا باسم السيدة عائشة، ويكتب شيء عن سيرتها، رضي الله عنها.
وكذلك الجعرانة وبئر طوى وبيت السيدة أم المؤمنين خديجة، رضي الله عنها.
والهدف من ذلك التعريف بالتاريخ الإسلامي المرتبط بديننا ارتباطا وثيقا، وكذلك بهدف نشر الثقافة الإسلامية، فربما معلومة في لوحة معينة تصحح مفاهيم مغلوطة عند كثير من الناس، كما تهدف هذه الخطوة إلى تعليم وتثقيف أبنائنا وربطهم بتاريخهم الإسلامي ولكيلا تضيع آثارنا الإسلامية مع مرور الزمن وتصبح خارج ذاكرة المسلمين، فيعرفونها من خلال الكتب ولا يجدونها على أرض الواقع.
كما أقترح أن تكتب تحت كل لوحة ( أقيمت هذه اللوحة في عهد كذا بتاريخ كذا ) وذلك للتوثيق.
من جهة أخرى، فإنني عندما أزور (الأندلس) بإسبانيا وغيرها من دول الغرب وأرى كيف يحافظون منذ قرون على آثارنا الإسلامية ومخطوطات القرآن الكريم وكتب التراث الإسلامي، فإنني أشعر بالخجل من أنفسنا.
أرجو أن تتحقق هذه الخطوة في المستقبل المنظور، لأننا أولا وأخيرا نهدف من هذا إلى المحافظة على تاريخنا وآثارنا الإسلامية من أن تندثر وتنسى على الرغم من أننا نحارب للحفاظ على أماكن أقل أهمية منها!