رحلتي إلى معرض الكتاب
الأربعاء، ١٢ مارس ٢٠١٤
زرت معرض الكتاب نهاية الأسبوع المنصرم فرأيت وسمعت ما سرني وما أغضبني كذلك..سأسرد لكم بعضًا مما أطربني وبعضًا مما أضجرني، بصدق، وسأبدأ حتماً بالإيجابي، وهو الغالب والأعم:اللقطة الأولى: جناح المؤلفين السعوديين الذي يعنى بعرض كتب المؤلفين السعوديين ممن ليس لديهم دور نشر بالمعرض، حيث يتولى الجناح مهمة العرض والبيع دون مقابل أو أية فوائد، وهذه لفتة كريمة من وزارة الثقافة والإعلام تشكر عليها.
اللقطة الثانية: توافد الزوار بأعداد كبيرة للمعرض، هذا يحتضن كتابا ويراجع محتوياته وآخر يسأل عن عنوان، الكل غارق بين السطور في رحلة جادة للمعرفة، هذه الأعداد تُشعر الزائر بأن أمة اقرأ عادت تقرأ، كبار السن يسابقون الصغار، نساءً ورجالاً، يتزاحمون بحثًا عن المعرفة.
اللقطة الثالثة: عندما يؤذن للصلاة تبدأ الحركة الشرائية تقل بشكل لافت ولكنها لا تتوقف تمامًا إلا مع تكبيرة الإحرام، الكل يرمي ما في يديه..العارض والباحث من أجل الصلاة، منظر يبعث الطمأنينة في جنبات الروح.
اللقطة الرابعة: مع أحد رجال الهيئة من ذوي اللياقة الأدبية، وممن يحسنون فن التعامل مع الشباب، حيث استوقفني وعينه تطوف برأس ابن أختي الذي عجز كل أفراد العائلة عن إقناعه بتهذيب شعره «كشته» على أساس أنه «بلاك بوي كول»، سحبت نفسي سريعًا من دائرة الحوار لأبقيه مع أحد إخوتي وقذفت بقدمي يمينًا ما يقارب الخطوتين، وأذني تسرق السمع لحديثٍ لين مدجج بالعقل والمنطق.
انتهى الحوار ولكنه لم يغلق صولجانه في رأس الشاب فقبل الوصول للمنزل طلب الذهاب للحلاق وفعل المستحيل بفضل ذلك الرجل الأنيق خُلقًا..وهنا يؤكد لي ابني أننا كبشر نتقبل النصح المغموس في قوالب الحب والابتسامة، ونرفض الوصاية ونظرية أنني أنا الأدرى والأعلم.
نبقى مع رجال الهيئة، حيث قام أحدهم بكل لباقة بتعبئة أذن إحدى النساء ممن لم تبق شيئًا من مساحيق التجميل إلا ولونت به وجهها، «بصراحة حسيت إنها رايحة زواج»، ثم ذهب رجل الهيئة ولسانه لا يفتر من طيب القول والأدب وهي تدس جسدها المتناغم بين أكوام البشر.
«ما أقول غير بيض الله وجهك».
أما بالنسبة لما يجعلني أحدق بامتعاض وبحنق فها هو أدفعه لكم، آملاً ألا تضايقكم مصداقية حروفي:الامتعاض الأول: الحقيقة أننا بشر، والقليل منا يستطيع كبح جماح نفسه وأهوائها، وفي المقابل ما زلت أبحث عن الدافع الذي يقنع النساء بصبغ وجوههن بكل هذه الألوان، ثم تأتي إحداهن للمعرض للتثقف «أي ثقافة تلك؟ نعم على الرجل شرعًا أن يغض بصره، ولكن عليكِ أيضًا ألا تتزيني وترغمي أعيننا على تتبع تفاصيلك المعروضة مجانًا لنقع في رحلة بحث أخرى.
(وهنا لا أتحدث عن كشف الوجه الذي هو محل خلاف، وإنما أعني إبداء الزينة).
الامتعاض الثاني: الغلاء الفاحش لأسعار الكتب بشكل مبالغ فيه، والذي يجعلك تسأل العارض «الناشر» عن ما سر الغلاء، وقد فعلت ذلك مع إحدى الدور الكويتية فكان الرد ملجمًا، تخيلوا أن ركنه 3×3 م2 ، أو ما دون ذلك، بتسعة آلاف ريال من غير تكاليف الشحن والجمارك والرسوم الأخرى، ولعل هذا هو سبب الغلاء..ويبقى الحل بيد وزارة الثقافة، إن أرادت.
الامتعاض الثالث: عندما هاجمني أحد الزائرين أو العارضين – لم أتيقن من أصل وجوده بالمعرض- من دولة الكويت الحبيبة وبدأ يقول: نحن نحبكم ونحب هذه الأرض، ولكن بعض مسؤولي المعرض يعانون كثيرًا من الفوقية..لماذا؟ «حاولت التملص والدفاع، «بس بيني وبينكم..والله إنه صادق»..وبين شد ورد صفعني قائلاً: «أنتم إذا جيتوا عندنا نعطيكم مساحات شاسعة، وإذا شاركت جامعة الكويت بكل ما تحويه من عناوين وإصدارات علمية تخصصون مكانا وش كبره! مشيرًا بيده في إيماء بالصغر»..كان يخاطبني وكأنني أنا وزير الثقافة، لم أجب عليه وأسعفني أحد الرفاق بمناداتي لأجد ذلك مخرجاً للهرب.
أما تويتر ففيه عدد مما لا يطيب ولا يسر من مهاجمة لزوار المعرض، وأن ما يقومون به من شراء للكتب لتزيين الرفوف ليس إلا، في تخمينات قد لا تصيب..وكمية كبيرة أخرى من الرسائل السلبية التي تسيء للقارئ السعودي وخصوصاً القراءات الشابة، وسيل من الانتقادات وبعض التحذيرات.
وأهم الانتقادات التي ما زالت عالقة في ذهني -بعد الاتهام بأن من يشتري لا يقرأ- أن جُل القراء يتوجهون لاقتناء الروايات وخصوصًا الفضائحية منها.
وأنا أتفق مع أصحاب هذا الرأي، فالزائر للمعرض يلفت نظره الإقبال على الدور المهتمة بالروايات والقصص والمذكرات، فالانغلاق على قراءة واحدة وفن كتابي واحد لا يوسع الرؤية ولا يسدد الفكر، مع أنني أؤكد أن هناك عددا من الروائيين الذين تمكنوا من غرس إشارات ثقافية في بطون رواياتهم.