عين النسوة.. نورها ونارها

لم تستطع الذهنية الشعبية في مجتمعاتنا العربية التخلص من عقدة الخوف من الأنثى، رغم أنّ نفس الذهنية تصنفها ككائن ضعيف ظاهرياً.
ورغم أنّ الرجل العربي يرى الأنثى في صورة كل النساء الساكنات في عقله الباطن، يراوغ حقيقتها بوعي المستكشف أحياناً فيشبهها بالوردة المتحولة عن امرأة قتلها الحب كما في الميثولوجيات القديمة.
وقد يصل الأمر إلى درجة الاعتقاد أنها كحالة تتوج بالحب وتعلن عن سحرها في العطاء فهي تستحق أكثر من لقب المرأة الوردة.
ولكن عندما يحين الجدّ يترك الرجل كل هذا ويقف على أرضية حقيقية نازعاً منها هذا اللقب، رافعاً عقيرته كما قلبه الفائض بالإيمان بأنّ كيدهنّ عظيم.
هذا الصراع بين الطبيعة والموروث الشعبي كوّن قاعدة أساسية استطاعت أن تقرّب التصور الكامل عن المرأة وعن حقيقة همومها، انشغالها، تأثرها وتأثيرها على من حولها وهو ما ساعد في بناء نموذج، كل أدواته معطاة مسبقاً، حينما نزل الخيال إلى الميدان، وشمرت الأسطورة عن ساعد الجدّ لتصنع حياة مليئة بالإثارة، بطلتها المطلقة «الأنثى».
وما ساعد على وجود صيغة تهدف إلى إضفاء الفضول وازدياد شدة الحيرة، هو هذا الكائن الذي أقحم في الواقع إقحاماً، لأنه شُكل بنموذج قياسي يختص بالعالم غير المنظور وغلف بغلاف إنساني حتى يواكب عالم الظواهر.
في بعض الثقافات الشعبية يطلق اسم الغولة على المرأة التي يتوفى زوجها، لأنهم يعتقدون أن للأرملة عينا قوية حسودة تجلب سوء الحظ لمن تقع عليه.
ولا تنجو المطلقات ولا العوانس ولا بعض العجائز، من تُهم الشرور التي يحملنها في حدقات أعينهن ليؤذين بها صاحب كل نعمة من جاه أو مال أو ولد.
هذه الثقافة الشفاهية العنصرية مزدوجة المعايير هي التي صنعت الغولة الأنثى، ونعتتها بصفة الأنوثة ولم نسمع بالغول الذكر إلّا في صفات الزعيم الشجاع أو في باب التضخيم لصفاته الجسدية.
أما التمسك بحكايات الغولة فهي لأنها تلد، والأنثى عند الرجل في التراث الشعبي تلد الخوف، الخوف منها وعليها.
وصفات الغولة كما هي في الأحاجي والقصص الشعبية امرأة قبيحة، متمردة منفتحة، فضلت التوحش على الأنسنة تتغذى بلحم البشر وتبيت في الكهوف، لا تعرف القيود ولا تمتثل للقيم والضوابط ولا تتشبث بالنسق الثقافي للمجموعة.
اختفت الغولة لما اختفى مبرر الاعتقاد بوجودها ولكن بعض النساء تحولن إلى غولات في نظر الرجال وفي نظر رصيفاتهنّ اللائي يرين حقدهنّ وحسدهنّ وغيرتهنّ.
والبعض يراهنّ غولات في تصرفاتهنّ، يصحن ويأكلن في الطرقات، يركضن كالأحصنة، لا يلتزمن بالحياء في مواضع الحياء، وينادين الرجال بأسمائهم الكاملة ولا يحترمن الأعراف والتقاليد.
انفتحت النساء وتمردن بأكثر مما أتت به الغولة، يهمن خارج الأسرة والعشيرة ، يحببن الإطراء على جمالهن وزينتهن لذلك يضطر الرجال لحمل الدفوف للتطبيل لهنّ إرضاء لغرائزهن.
ولأنّ الغولة كانت حلوباً على الدوام فقد رضعن منها واكتسبن عقد القرابة بينهن وبينها واستنسخن طبائعها وذلك يفسر القدرة الخارقة لديهن في اصطياد ذوي القلوب «الرهيفة» بعد تدجينهم لفترة قصيرة.
لا تدري معظم النساء لماذا يخجلن من كونهن نساء يبكين بعين وينعمن بالأخرى.
ولا يدري معظم الرجال لماذا يخافون الغولة رغم أنهم هم من يدفعونها للتحول إلى هذا الكائن الخرافي اللاهث ليلاً ونهاراً بحثاً عما يسد رمقه وجوعه الحسي والمعنوي بينما الرجل داخل مغارته يدخن بيد ويشرب القهوة بالأخرى، لا يخشى أن يتحول إلى كائن لطيف تهابه بقدر ما يهابها.
في عام 1932م ابتكر المحلل النفسي النمساوي فريتز ويتلز عقدة سمّاها «عقدة ليليث»، ليست لها علاقة بليليث الأسطورة السومرية قبل 2000 سنة قبل الميلاد.
فوظيفة ليليث في الأسطورة تتمثل في إزاحة الرجال عن طريقها، من خلال تحذيرهم بالخطر الذي تمثله بالنسبة إليهم.
ولكنها في «عقدة ليليث» تتمثل وظيفتها الأساسية في تحذير النساء اللواتي لا يتبعن قانون آدم فسيكون مصيرهنّ الهجر والحزن إلى الأبد.
وبين النموذجين تبقى حقيقة واحدة هي أنّ المرأة سواء أكانت وحيدة يحرسها شبح الحرمان أو سعيدة يحفها الحبّ من كل جانب فهي لا تكفّ عن الحلم بأن تهزّ الشمس بيمناها وتنتزع ضوء القمر باليسرى.
ويبقى الرجل على حالته التي يرى بها النور والدهاء في عينيها والنار في قلبها.
mona.a@makkahnp.com