مختبرات التجارب

أكاد أجزم، لولا تردد، بأن الدول العربية ما هي إلا مختبرات تجارب لكل طارئ وغريب ومستنكر.
مختبرات للديانات والمذاهب والعقائد والشعوذة والأنماط الفكرية المتعددة، وللحوار والجدل.
مختبرات للعقول مغلقها ومنفتحها، وللنظريات والسحر والأحلام والتفاسير.
مختبرات للترويع، والظلم، والقتل، والتهجير، والتجويع.
مختبرات لاكتشاف فرضية ما لا يتحقق على أرض الواقع من العدالة الإنسانية، والحرية المطلقة، والديمقراطية المتزنة.
مختبرات وجدنا فيها أنفسنا كائنات تجارب، ندور في ضيق حجرات زجاجية ومتاهات نصطدم بجدرانها وزواياها، ولا نفهم سر تكرار تخبطنا!.
ولا تسألوني عن عملاق نراه ولا نميز كنهه، ينظر لنا بأعين براقة، ويضع على وجهه كمامة خضراء، ويمد أطرافه الملساء الضخمة نحونا، ويقلبنا كيفما شاء، ويزاوجنا ويعزلنا ويمتص من أجسادنا السوائل، ويعيدنا لهوجة التعارك مجدداً، بعد حقننا بالمستجدات النفاذة الملونة، التي تصيبنا بالهيجان أو الانهيار.
درجات وعينا ناقصة، لا تسمح لنا برؤية أبعد من حدود شواربنا الحساسة، وأعصابنا أوتار مشدودة تعزف لحن التقاتل على لقمة فجة تركها لنا المجهول مغموسة بالذل.
مداركنا لا تطمح للفهم، وهمُنا مرتكز حول حماية أنفسنا من جرذان شرسة تقاسمنا حجراتنا، وتشاركنا هم التأصل، ودموية العيش.
مؤامرة نحييها وننفيها، وخوف يكبلنا من مصير من سبقونا، ممن خُطفوا من بيننا عنوة، وحُملوا للمجهول.
البقاء بيننا للأشرس المسيطر على من حوله، فليس ممكناً أن نتفهم، أو أن نحب بعضنا، لأننا جميعاً مهددون بالمنفى، الذي لا ندرك ماذا يحاك لنا فيه.
لقد عاد يوماً، كما تحكي رواياتنا القديمة، أحد أجدادنا بعد فراره من يدي المخلوق الغريب، الذي حمله للمجهول، فروى لجيله أساطير مرعبة، كيف سلخوا جلد أقرانه، وأدخلوا في أحشائهم الأنابيب، والمسامير، وأحرقوا عظامهم في النهاية.
لقد أصبحنا بعدها نشك في البيّن الجلي، ونتعارك على كل شيء، ونتسابق في الضيق، والتردي، والكذب والخيانة لنبقى أطول فترة.
ديمقراطية حُقنا بمصلها، فثبت من التجارب أنها تسبب لنا حساسية، وتقرحا، وحشرجة في الأنفاس لا تلبث أن تكون قاتلة في النهاية.
وكم تجرعنا عقار توجس من المذاهب المختلفة، وتم مراقبتنا لمعرفة ماذا يحدث، فكان أن قام بعض منا باغتيال الآخرين، وأكلَ أحشاءهم.
حُقنا بالجهل، فلم نعد نستطيع تصنيع لقمتنا، وصرنا نفغر أفواهنا لكل قطرة توضع فيها، حتى ولو كانت ملتهبة، أو ملوثة.
حُقنا بجرعة الحرية، ونحن ندور في مساحة أضيق من المتخيل، فلم نتمكن من التحرك السليم، ولا التعايش مع المتوقع، وصارت رؤوسنا مليئة بالكدمات والقروح، نتيجة اصطدامنا بالحقائق، فيزداد عنادنا لنكرر الفشل، حتى ارتسمت حرياتنا بالعاهات.
وكم استنشقنا مركبات عنصرية مشعة، سببت لنا الخوف، والقلق، والهلوسة، وجعلتنا نقتتل ونحن لا ندرك الأسباب.
أوه..أستأذنكم أحبتي، فلن أستطيع إكمال المقال، لأن دوري قد جاء في التجربة القادمة، ولو كتب لي عمر فسأعود لأحكي لكم بتوسع.
shaher.a@makkahnp.com