شكر الله جهدكم ولكن...

عقد الأسبوع الماضي في مكة المكرمة مؤتمر حول التضامن الإسلامي بإشراف رابطة العالم الإسلامي وحضره عدد كبير من العلماء والباحثين، ولا أكتم القارئ سرا أنني بت مأزوما من مثل هذه المؤتمرات ذات الشعارات الكبيرة والرنانة، والتي تدبج فيها المعاني الكلية الجميلة وتسبك وتحبك فيها الكلمات والعبارات وتعقد فيها الجلسات تلو الجلسات وتنفق فيها النفقات ثم ينفض بعدها المشاركون وقد ظن بعضهم أو كثير منهم أنهم قد أضافوا جديدا، وربما شعر بعضهم براحة ضمير لأدائه واجبه أو بعضه، وكلما كانت هذه المؤتمرات متعلقة بقضايا الأمة الكبرى كان الأمر فيها أشد إيلاما.
أيها الكرام في رابطة العالم الإسلامي وغيرها شكر الله جهدكم وبارك فيكم وأثابكم على نواياكم الطيبة الصادقة، ولكن من الواجب أن نعي جميعا أن الإكثار من هذه المؤتمرات والندوات يفقد هذه المعاني قيمتها وهيبتها ثم إنها وقد تتابعت أعواما عديدة دون أثر يذكر تورث الأمة إحباطا وتغدو عند المتابعين محلا للتندر، وإذا أخذنا الموضوع الأخير نموذجا وعرضناه للنظر فسنجد أننا أمام قضية واضحة جلية لا تحتاج في تقرير أصلها وأهميتها إلى مؤتمرات أو بحوث، وأما تفاصيلها فقد استهلكت منذ عقود والأمة فيها تعاني فشلا سياسيا تحول مع الزمن إلى فشل ثقافي واجتماعي، والأنظمة السياسية اليوم في أشد حالات التشرذم والتفرق وليس في وارد أكثرها مجرد التفكير في موضوع التضامن الإسلامي الذي نفهمه كواجب أولا وكمخرج ثانيا من حالة الضعف القائمة، ويكفي في الدلالة الرمزية على هذا المعنى ملاحظة واقع منظمة المؤتمر الإسلامي والتي نشأت أصلا على فكرة التضامن ثم تحولت مؤخرا إلى منظمة التعاون الإسلامي فهي كيان سياسي في غاية الضعف وليس لها من أثر يذكر على المستوى الإسلامي والدولي، وتكاد لا تذكر في صغير ولا كبير، وهو حال نشأ بطبيعة الحال تبعا لإرادة أعضائها الذين يقاربون سبعا وخمسين دولة، ومن العجيب أن هذا هو الواقع مع أن التقاء هذه الدول على القاعدة الإسلامية كمحور ارتكاز سياسي هو تقريبا الأمل الوحيد لها من الناحية النظرية والواقعية وربما التأريخية لحضور دولي مؤثر، فما من بعد آخر يمكن استدعاؤه لجمع هذه الدول إلى بعضها، وهو بعد ذو طاقة شعبية هائلة فضلا عن الجوانب الاقتصادية وغيرها، وهذا المعنى بعينه هو الذي دفع الملك فيصل رحمه الله لدعوته الشهيرة لمشروع التضامن الإسلامي في مواجهة التيارات القومية والشيوعية في أيامه، وهي بعينها الآن منفذنا للخروج من الهيمنة الغربية في شقها السياسي والعسكري والاقتصادي، ومن فضول القول أن نقول إن هذا لن يحدث في المدى المنظور إلا إذا آمنت القيادات السياسية المؤثرة في العالم الإسلامي بهذه الحقيقة ونظرت للإسلام وهو كذلك على أنه أهم قوة يمكن الاجتماع حولها في عالم يموج بالتحالفات والتكتلات.