أزمة النخب الدينية
الثلاثاء، ١١ مارس ٢٠١٤
يشير الكتاب والمفكرون المعاصرون إلى جملة من السمات التي ينبغي على النخب المثقفة أن تتسم بها حتى تقوم بواجباتها تجاه مجتمعاتها، لعل أهم هذه السمات: القدرة على صنع القرارات، المشاركة في تعديل سلوك المواطنين، التمتع بمكانة اجتماعية مرموقة، توجيه المواطنين إلى قيم النبل الاجتماعية.
ومن هذا المنطلق يجب أن يكون المثقف مستقلاً عن أي جهة وسلطة، كي لا تقيد تفكيره ومساره، وأن يبني القيم والمثل العليا كقيمة العدالة والحرية له ولغيره، وأن يشارك في الحياة العامة، وأن يتجاوز أي صفة حزبية أو فئوية متعصبة أو مذهبية، وأن تكون ثقافته عامة تخاطب الناس بعقلانية ووعي، وأن يكون دفاعه عن أفكاره وثقافته بهدف تغير الواقع السيئ، وعليه أن يسجل بكل جرأة ووضوح شهاداته ورأيه، وأن يكون صادقاً يفضح الفساد ويدافع عن المستضعفين.
ولا شك أن هذه السمات لابد أن تتحقق في النخب الدينية قبل غيرها، حتى تتمكن من القيام بدورها في بناء المجتمع الخيري الحضاري.
من خلال استخدام الدين لتوحيد الآراء المختلفة، وإيجاد رؤية وسطية تقضي على الفردانية وتدعو إلى التكافل والتضامن، لكن للأسف نجد أن النخب الدينية هي مسؤولة بشكل أو بآخر عن الحروب الطائفية من خلال قيام بعضها بشحن التمايز الطائفي والقبلي بمفاعيل ومدلولات سياسية، واستخدامه في النزاع على السلطة.
ولعل ما حدث من تجاذبات وانقسامات حول الربيع العربي، كشف جلياً تخبط هذه النخب وانحرافها عن دورها الحقيقي المناط بها تجاه المجتمع.
فهي ادعت احتكار الحقيقة أو المعرفة بأسرار التغيير، أو امتلاك مفاتيح النجاة والخلاص، مستغلة تعاطف المجتمع مع أي مضمون ديني، ومن هذا المنطلق اتخذت الجماهير كاحتياطي بشري للتعبئة والتجييش والتنظيم، أو كحقل اختبار للمشاريع العقائدية والأحلام الثورية، انتهاءً بتحقيق استراتيجية النخبة للاستيلاء على الدولة والمجتمع.
لم تنجح النخب الدينية في تقديم صورة جاذبة وعقلانية لها، لأنها زادت من انقسام المجتمع إلى طوائف وفرق، وأصبح خطابها عامل تأزيم وتكريس للفرقة والشحن الطائفي وتغذية الصراعات السياسية.
ومن هنا نقول إن المطلوب اليوم هو نخب دينية مثقفة تجمع المعارف الدينية والدنيوية، وتقارب بين الثقافة الإسلامية والإنسانية، وتمد جسور التعاون بينها وبين النخب الأخرى لبناء مشروع إسلامي حضاري، والذي لا سبيل إليه دون المرور ببناء المجتمع الخيري الإنساني.
ولن يتحقق ذلك أيضاً إلا عندما تحث هذه النخب نفسها على ضرورة بناء مقومات الاجتهاد، وتبصير المجتمع بطرائق البحث والتفكير والدعوة إلى الاجتهاد الذي يعلي من شأن الإبداع والابتكار ويرسخ القبول بالتعددية وتنوع المعارف.
أخيراً، نقول إن الوصول إلى “المجتمع الخيري” المطلوب هو واجب مشترك بين جميع أفراد المجتمع، باختلاف معارفهم وتخصصاتهم واتجاهاتهم، إلا أن مسؤولية النخب الدينية هي الأكبر، من خلال مشاركة الأطياف الأخرى في مقاومة الفساد والاستبداد والانحرافات الاجتماعية والأخلاقية والتراجع العلمي والحضاري، دون التوقف عند الجوانب الطقوسية والشعائرية.