أعداء الكتاب
الاثنين، ١٠ مارس ٢٠١٤
ربما يكون هذا العنوان غريبا أو مزعجا، فقد اعتدنا في مجتمعنا على سماع عبارات جميلة عن الكتاب، وأننا أمة اقرأ، وأننا في يوم من الأيام كنا سادة هذا الكون، ولنا إسهامات واختراعات في كل مكان، وما أكثر العلماء المسلمين الذين رادوا مجالات الطب والكيمياء والفيزياء والهندسة والفلسفة وعلم الاجتماع والتاريخ فضلا عن طريقة نقلنا للأحاديث الشريفة وتراجم العلماء وأقوالهم وكتبهم، وأيضا كنا أمة لديها مكتبات ممتلئة في زمن كانت أداة الطباعة الوحيدة فيه هي اليد، فكيف نتحدث اليوم عن أعداء الكتاب، ونحن لدينا مثل هذا الماضي العظيم الذي نتغنى به في كل مناسبة وكل محفل؟الغريب في حديثنا عن أمجاد أمتنا هو أننا لا نقرن هذا الحديث بأفعال، فمعدلات القراءة للعرب ضعيفة جدا مقارنة بغيرهم من الأمم، والمؤلفات العربية، تشهد إقبالا ضعيفا مقارنة بغيرها، وأما الوعي العربي فهو مع الأسف ضعيف جدا، فقد ينسى الفرد معلومة درسها في المدارس والجامعات، مثل أن مرض ضعف المناعة المكتسبة «الإيدز» لا ينتقل عن طريق الطعام، ويجن جنونه حينما تأتيه رسالة نصية أو على الشبكات الاجتماعية أن أحد مطاعم المأكولات السريعة تم ضبطه في محاولة تهريب «كاتشب» يحتوي على مرض الإيدز، ويصاب بفوبيا من كل شيء، ويضيع كل ما تعلمه مع أول إشاعة مرت به.
أيضا هذا الوعي ينعكس على الأخلاقيات والسلوكيات العامة، خصوصا أن نبينا المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم أتى ليتمم مكارم الأخلاق، والأخلاق هي معيار قياس تحضر الشعوب، ولا نرى هذه الأخلاق الإسلامية في كثير من ممارساتنا اليومية مع بعض العامة هداهم الله، بل وحتى في صفوف طلاب العلم نتفاجأ بأن كثيرا من طلبة الجامعات والمدارس لا يقرؤون ما في كتبهم، ولا أعلم حقاً متى يعتزمون قراءتها إن لم يقرؤوها وهم طلاب، بل وثقافة القراءة منحدرة لدينا لدرجة أن الطالب المجتهد أصبح مصدر نكاتنا وطرفنا، فما الذي جعلنا نتندر بـ»مصطفى» سوى حرصه لحضور المدرسة وإيمانه بأن أيام الدراسة أفضل من أيام الإجازة، بل وحتى الفجوة السلوكية المنتشرة في الأوساط التعليمية بين الطالب المجتهد والطالب الكسول، كل هذه الدلائل هي مؤشرات خطيرة وعميقة لإشكاليتنا مع الكتاب، والتي تتناقض بشكل صريح مع كل ما نقوله عن كوننا أمة اقرأ وعن ماضينا المشرق.
نحن في أجواء معرض الكتاب، وهذه السنة ضيف المعرض هو إسبانيا، وقد عنت المملكة الإسبانية بأن تبرز التراث الأندلسي وتتحدث عن أبرز إنجازات الأندلسيين في مجال الكتابة والتأليف والخط واعتنائهم بالكتب وتأليفها، وكان جو المعرض بشكل عام جميلا، ولكني أعيب فيه تأخر تحديث الموقع وتطبيقات الهواتف المحمولة، بل وحتى تأخر إحضار مخططات وعناوين دور المعرض المشاركة لها، وبطء الصيانة الدورية للأجهزة المساعدة في البحث عن دور النشر والكتب كتعبئة أوراقها أو فحص حالتها التشغيلية، ولكن دعوني أتجاوز كل هذه الأمور وأنتقل إلى بعض المواقف التي حدثت لي بعد شراء الكتب وعودتي بها إلى المطار، أولا في نقطة التفتيش الأمني استنكر عليّ رجل الأمن كمية الكتب هذه وسألني إن كان الكرتون ممتلئا بالكتب، فماذا يوجد في الحقيبة الكبيرة غير الكتب؟ فأجبته: لا يوجد فيها سوى الكتب، فأكمل استنكاره قائلا: هل أنت متأكد؟ فطلبت منه بأن يفتحها ليتأكد إن كان عنده شك، وهنا سمح لي بالانصراف مشيراً إلى أنه لا داعي أن أتحدث وأتكلم بفوقية، مع أنني لم أقل له سوى كلمة شكراً، وبما أنه لا توجد وسيلة لشحن الكتب رخيصة الثمن فكان من الأوفر لي أن أضع كتبي الزائدة كحقيبة إضافية وأتحمل غرامة حقيبة زائدة وقدرها مئة ريال فقط، ومع ذلك، لا أعلم عدد موظفي شركة الطيران الذين استنكروا عليّ مخالفتي هذه، حتى إني ظننت بأن كابتن الطائرة سيشهر اسمي أمام كل ركاب الطائرة ويفضحني على خطيئتي التي كنت أبرر لها بأنني آتٍ من معرض الكتاب فلم كل هذا الاستهجان والاستنكار؟ ولو افترضنا جدلاً أن كل هؤلاء الذين صادفتهم إنما يمثلون أنفسهم وليسوا مسؤولين عن تمثيل جهات معينة أو تقديم صورة تعكس وعي مجتمع، فسأجيب عن هذا التساؤل بأن الوعي سيظهر وينعكس بالقوانين والتعليمات من الجهات العليا بمراعاة على الأقل حملة الكتاب، أو توفير وسيلة لشحن الكتب تكون بأسعار تنافسية، أو حتى محاولة احترام لذلك العميل الذي قد اضطر لمخالفة الأنظمة من أجل حدث يحدث في السنة مرة واحدة.
ثم إن زوار معارض الكتاب الدولية في الخارج يعانون بعض الأحيان من الأمرين من أجل إدخالهم للمواد المقروءة في ظل غياب إجراءات مرنة لا تعاملهم كأنهم مجرمون أو مهربي مواد محظورة.
وإن كان هذا هو مستوى اهتمامنا بالكتب وقراء الكتاب، وزوار معرض الكتاب، مع إغفالي للكثير من النقاط، فلا أعلم حقا ما هي خطتنا واستراتيجيتنا لحل مشكلة الشباب الضائع عن أهدافه وأحلامه، ووسائل الترفيه لديه انحصرت في «الهجولة» أو أن يجوب طرق مدينته ممارسا لعدد لا نهاية له من السلوكيات الخاطئة والتي أخشى إن كتبتها أن يقوم قسم التدقيق في الصحيفة بحذفها احتراما للذوق العام، ومع أن أفعالهم السوداء والنكراء التي لا تليق بالإسلام ويسيئنا أن تنسب للمسلمين أصبحت منتشرة على مقاطع الجوال واليوتيوب بل وإني قد صادفت أحدهم على كورنيش مدينة جدة يصيح في الناس صوروني مع أنه كان في وضعية مقززة ليست مدعاة للفخر أو للوجاهة بين الناس.
حسناً، وبعد هذا كله، من هم أعداء الكتاب؟ هل سنتبادل أصابع الاتهام أم سنتحمل جزءا من المسؤولية؟ نعم نحن جميعا أعداء الكتاب، وعلينا تغيير ذلك دون الاكتفاء بالتغني بالماضي والبكاء عليه، هذا إن كنا نريد أن نتغير ونحمل هما لأمتنا وللكتاب الذي أنزله الله عز وجل لنا.