بين السياسة الإسلامية والإسلام السياسي
السبت، ٨ مارس ٢٠١٤
بعض الرؤى والطروحات التي تظهر من حين لآخر، تفصح عن جنوح وانحراف في الأفكار والتوجهات لدى أصحابها، وتكشف عن ميل واضح إلى الاستخفاف بعقول الناس، والتلاعب بمشاعرهم ومحاولة اجتثاث ثوابت لا تقبل القسمة على اثنين.
فهي راسخة وقوية وعميقة في الفكر وظاهرة للعيان، ومعلومة للكافة.
هذه الرؤى والطروحات أشد غباء في منهجها، وأكثر بعداً عن الحقيقة في أساليبها، ثم تذهب في شطط واضح وإصرار فاضح إلى الاستخفاف بالعقول وذلك باستدعاء مظاهر بعض الأحداث التي تظهر في بعض المواقع، وتطبيق تلك الآراء عليها في الوقت الذي يشهد العقلاء والمنصفون بأنه لا صلة فيما بين تلك المظاهر والأحداث وبين مضامين تلك الآراء، فالإسلام عقيدة وشريعة وسياسة وممارسة بريء من تلك الأحداث، ولكنهم يعتسفون الحقيقة ويلوون عنقها بغية توظيف تلك الأحداث التي قد تظهر في بعض الأماكن والأزمنة توظيفاً سيئا ويستدلون بها على آرائهم وأطروحاتهم.
ولعل ما تم ويتم طرحه وتناوله من بعض الأقلام في الآونة الأخيرة بالتحذير من الإسلام السياسي بحجة أن هناك انفصاما في العلاقة بين الإسلام والسياسة، هو إنكار أي صلة بين الإسلام والسياسة، وترتيبا على ذلك فقد ذهب بعضهم إلى التحذير من وجود الإسلام السياسي، فطالبوا بضرورة العمل على الحيلولة دون حدوث ذلك، والسعي إلى اجتثاث مظاهره ودلالاته وإيماءاته وكل ما له صلة بين السياسة والإسلام.
لعل تلك الطروحات تأتي في ظل الحرب الخفية على دين الإسلام، سواء من أعداء الإسلام من الملل الأخرى أو من المحسوبين على الدين الإسلامي ولكنهم يحاربونه بالوكالة، تحت ذرائع وأوهام لا يقتنع بها إلا جاهل لا يعرف حقيقة الدين الإسلامي ومبادئه وأصوله، أو حاقد يريد النيل من الإسلام.
إن الدين الإسلامي دين شامل كامل لجميع العلاقات البشرية في الحياة دون استثناء، والسياسة جزء من ذلك لا تنفصل عن الإسلام ولا ينفصل الإسلام عنها وأي مسلم يقول بغير ذلك فعليه أن يراجع عقله وتفكيره، أما غير المسلم فلا عبرة بما يتحدث به عن الإسلام لأنه يقدم تنظيرا عن دين لا يعرف لذة اعتناقه، ولا حلاوة الإيمان به، ولم يخضع لمبادئه وقيمه وأخلاقياته، ولم يُذعن لطاعة ربه سبحانه وتعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، فهو يتحدث من خارج دائرة الإسلام فيسدد سهامه المسمومة لنحر القيم والمبادئ الإسلامية فلا عبرة بقوله.
إن الحقيقة التي لا مرية فيها ولا جدال حولها هي إن الدين الإسلامي يؤسس لمناهج ومبادئ السياسة وأصولها في أعمق معانيها وأشملها، ويرسم الطريق السياسي الصحيح الذي لاعوج فيه ولا انحراف، فمن سلكه نجح وفاز ومن حاد عنه فشل وباء بالخسران.
وكلما كانت الدولة - أي دولة حتى غير الإسلامية- قريبة من المنهج الإسلامي في جميع علاقاتها وتصرفاتها وأحكامها ومبادئها وقيمها ووفائها بالتزاماتها وعهودها وعدالتها كلما كانت قوية وناجحة ومستقرة وآمنة، والعكس بالعكس فكلما ابتعدت عن منهج الإسلام وأخلاقياته كلما ضعفت واهتزت وانتشر فيها الفساد والدمار وبسط الخلل فيها أشرعته ودق أوتاده.
والقول بوجود السياسة كمنهج ثابت في الإسلام ليس من باب التزيد أو مجرد الدفاع عن الإسلام أو محاولة تحسين صورة الإسلام في عيون الآخرين بل هو قول فصل لا يقبل التشكيك ولا النقاش حوله، ذلك أن الأدلة الواردة بشأن ثبوت المنهج السياسي في الإسلام قد جاءت بها الآيات المنيفة والأحاديث الشريفة وقد وردت واضحة وصريحة.
فحددت سياسة الدولة الإسلامية وعلاقتها بالدول الأخرى في حروبها وسلمها ومعاهداتها ومواثيقها، أليس هذا من السياسة وإلا فماذا يسميه هؤلاء المنظرون؟ كما أن النصوص الشرعية أوضحت سياسة الدولة في التخطيط ووجوب اتخاذ القوة والاستعداد للأعداء، وأبرزت في صورة جليّة في غير موضوع وجوب إقامة ميزان العدالة على حد سواء للأقرباء وللأعداء بل حذر الله سبحانه وتعالى من أن يكون البغض للكفار سببا في عدم العدل، وأيضاً جاءت الآيات والأحاديث طافحة بحيث لا يمكن حصرها في مثل هذه العجالة ببيان علاقة ولي الأمر ومسؤولياته تجاه أمته وعلاقة الرعية بالراعي ووجوب طاعته من الرعية أليس هذا من السياسة؟ تفاصيل الهدنة وإعلان الحرب وكيفية حدوث السلم أليس هناك نصوص تحكمها؟ الجزية ومن يقوم بدفعها ومتى يكون ذلك أليست منصوصا عليها في القرآن؟ الأنفال وكيفية توزيعها، وضرورة الاستعداد للأعداء ووجوب ذلك وأهدافه وأغراضه أليس هذا كله سياسة؟ ألم ينص الإسلام على محاربة الفساد والمفسدين في الأرض، فماذا يسمى هذا؟ إن الذين يقصرون الدين الإسلامي في مسائل الحيض والطهارة والصلاة والصيام والزكاة والحج دون غيرها ويضعون حواجز بين الإسلام وبين الحياة الاقتصادية والسياسية والعسكرية والعلمية والتجارية إنما يختزلون الإسلام ويشوهون صورته ويتعدون على نصوص القرآن والسنة دون أدنى دليل.
بل إنهم ينكرون القرآن الذي هو دستور الإسلام الكامل والخالد والشامل، ومن أنكر أن القرآن الكريم يشمل كافة جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية فقد جاء ببهتان وقول منكر وزور.
فقد قال الله عز وجل: [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً].
الإسلام دين ينظم حياة الناس من جميع جوانبها الخاصة والعامة الحاضرة واللاحقة في الدنيا والآخرة ينظم علاقة الدولة برعيتها والرعية بالدولة، فهل كانت الدولة الإسلامية في عهد النبوة وفي عصورها الزاهية ومجدها الشامخ لا تعرف تطبيق الإسلام السياسي.
أما الذين يحاولون استغلال الإسلام للوصول لأغراض سيئة وخبيثة فإن أقوالهم وأفعالهم مردودة عليهم بنص القرآن والسنة ولن يستطيعوا الاستدلال بنص صريح يؤيدهم.
فالمنافقون والمخادعون والانتهازيون هم في خندق واحد في نظر الإسلام.