الجَدْ و"جُدّة".. تاريخ ونضال

في مهرجان «جُدّة التاريخية» وفي حارة الشام تحديداً ذرفت عيناه دمعاً، وكأنها تستعيد ذكريات جميلة، شوق وحنين إلى ماضٍ بعيد، نشأ وترعرع في كنف والديه، ترتيبه السابع بين إخوته، والده -رحمه الله - رجل عصامي، كافح ليبني لهم مجداً، وكان له السبق -أي والده- في كثير من المجالات تصنيعاً (مصنعاً للبلاط)، واستيراداً (راديو «ماركوني» ومولدات «ليستر» وبطاريات «فارتا» وسجائر «كوتريللي» وقطع غيار سيارات وغير ذلك كتجارة الذهب وبيع «تنك الكاز»)، مارس كل عمل مباح من خلال كيان تجاري أسسه عام 1907 م إلى أن استقر به الحال تاجر الأدوية المعروف.
ها هو بعد نيف من الزمان يعود مع أحفاده ليتفقد أطلال البيت الذي وُلد فيه قبل أن يُصبح مقراً لأول قنصلية أمريكية، يعود اليوم متفائلاً بعض الشيء بعد أن سمع عن تقديم ملف «جُدّة التاريخية» لليونسكو، وما يترتب على ذلك من إعادة إعمارها والحفاظ على ما تبقى منها، مبانيها وجوامعها، حواريها وأزقتها، أخذ وهو يتوكأ على عصاه يتجول في كل مكان يبحث عن المركاز الذي شهد عملية مخاض النادي الأهلي على يد إخوته وآخرين، وعن زاوية أبوعنبة والكنداسة، ومدرسة الفلاح التي اجتاز بها المرحلة الابتدائية، ومديرها آنذاك الأستاذ عمر حفني رحمه الله، ما أشبه الليلة بالبارحة لولا خذلان الرجلين وارتخاء العينين وهشاشة العظام وهزيمة الأبدان.
ابتعثه والده إلى مصر إبان فترة الملك فاروق ليُكمل دراسته المتوسطة والثانوية، ومن بعدها إلى عاصمة الضباب ليحصل على الشهادة الجامعية في إدارة الأعمال من «كنز كجتون كولج» أحد فروع جامعة لندن، ليعود بعد ذلك تلبيةً لنداء والديه تاركاً خلفه حضارة وتقدماً بحجم صحراء وطنه فيقتسم مع إخوته عناء العمل وشظف العيش «سنشد عضدك بأخيك» يُضيف لهم ويتعلم منهم محققاً الدمج بين النظرية والتطبيق، الحضارة والتراث، فكان خليطاً من عود الأصالة وعطر الحداثة، حالة مختلفة أفرزت خبرة عبقة فاح عبيرها على من حوله، وكان النصيب الأكبر لأبنائه حيث انكفأ على تربيتهم وتعليمهم، مقومات أسلوبه ترتكز أساساً على الصدق والثقة والاعتماد على النفس والاستفادة من التجربة والتعلم من الخطأ، فكان يدفع بهم إلى حلبة «الحياة» تُصارعهم وتُقويهم مع إصراره، وبالتوازي على إكمال دراستهم، فلا عمل بدون علم، ولا تعليم بدون دراسة، فالشهادة كما كان يقول لهم دائماً «سلاح ونجاح».
اليوم يُعاود الكرّة ويُمارس الفعل نفسه، ولكن هذه المرة مع أحفاده بنفس الأسلوب وبطريقة مخُتلفة تتناسب وعصرهم، يفهم منهم ويفهمون منه، مُستوعبين فارق الزمن واختلاف الثقافات وتنوع المشارب.
إنه محمد إبراهيم حسن بترجي الذي قضى جُلّ وقته يجول أنحاء المعمورة طلباً للرزق، ها هو اليوم يجني ثمار ما زرع، يتأمل، يُتابع، يرُاقب، يُحلل، يُوجه، لم يسكن أو يركن، لكنها استراحة المحارب بعد أن أفنى حياته ليُوفر لأبنائه حياة كريمة خالية من المتاعب والهموم، الفضل بعد الله له وللوالدة الكريمة المناضلة حفظهما الله من كل مكروه وأمد في عمريهما وأمتعهما بالصحة والعافية آمين.