أوكرانيا ليست مستعدة للانفصال
الجمعة، ٧ مارس ٢٠١٤
في 2010، فضح الكاتب الأوكراني يوري أندروخوفيتش أبناء بلده حين قال –بمرح- أنه في المرة القادمة التي يعبر فيها إقليم دونباس، وهو شمال شرق شبه جزيرة القرم، عن رغبته بالانفصال، علينا أن لا نمنعه من ذلك.
كان أندروخوفيتش يتذكر لحظة قيام النخبة في جنوب شرق أوكرانيا في 2004، بعد مشاهدتهم تطورات الثورة البرتقالية في كييف، بالدعوة إلى اجتماع وهددوا بالانفصال عن أوكرانيا.
لم يحدث ذلك مطلقا بالطبع.
الشعب لم يكن يريد ذلك، والقانون الأوكراني يمنع ذلك، وحتى الآن لا تزال كلمات أندروخوفيتش تعبر عن مدى صعوبة الوحدة بين شرق وغرب أوكرانيا، أي جماعة في بلد متنوع قد يرغب في يوم ما بالانفصال عن حكومته، لكن في كل طلاق هناك أمور يجب تسويتها بعدالة، وهذا هو سبب وجود محاكم الطلاق، الطلاق الودي مستحيل تقريبا عندما لا يكون هناك من يطبق القانون.
لذلك من المفيد النظر في الضعف القانوني والسياسي بعد وصول الرئيس الأوكراني المخلوع فيكتور ياكونوفيتش إلى السلطة عام 2010 وتعيينه عددا كبيرا من شعب الدونباس في الحكومة المركزية والإدارات المحلية في أرجاء أوكرانيا كافة.
هذا الأمر نقل العادات السياسية الفاسدة إلى الحكومة المركزية، مما قوض احترام القانون وشجع استخدام جهاز الدولة للابتزاز، تبع ذلك استياء شعبي عارم، ولكن لبعض الوقت فقط، وكان الناس يستطيعون أن يأملوا بأن اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي التي قال الرئيس ياكونوفيتش إنه سيوقعها سوف تحد من قسوة نظامه.
لكنه وضع الاتفاقية على الرف، وطلب المساعدة من روسيا عوضا عن ذلك، بالنسبة لكثيرين، وضح هذا الأمر نوع المستقبل الذي كان يبنيه؛ وتلا ذلك ثورة حملت اسم “ميدان” على اسم الساحة في كييف التي كانت الاحتجاجات تتم فيها.
كان الميدان ثورة على بقايا الإقطاع في مرحلة ما بعد الاتحاد السوفيتي، ومحاولة لربط أوكرانيا مع أوروبا، لكن الجهود لتحقيق ذلك الهدف تم اختطافها مرتين من قبل: في 1991، عندما استعاد حكام ما بعد الفترة الشيوعية الحكم الفاسد، وفي 2004، عندما أفسد بعض قادة الثورة البرتقالية بسبب إصرارهم على الاقتتال الداخلي عوضا عن الإصلاح.
الآن، ما هو أخطر، شكل غزو روسيا لأوكرانيا خطرا كبيرا على انتفاضة الميدان ويهدد بحرفها عن مسارها، لا أعتقد أن روسيا ستحاول الاستيلاء على كامل أوكرانيا؛ احتلال شبه جزيرة القرم وتحويلها إلى محمية روسية قد يكون كافيا لمنع انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي والناتو.
علماء النفس وجدوا أن قاعدة ثورة الميدان الاجتماعية والإثنية والإقليمية واسعة، مع أن نسبة المشاركين في الانتفاضة من غرب أوكرانيا هي أعلى قليلا، إلا أن استطلاعات دولية عدة للرأي وجدت تحولا خلال العقد الماضي من “قيم البقاء على قيد الحياة” التي كانت سائدة في العهد الصناعي إلى “التعبير عن الذات” في المرحلة ما بعد الصناعية.
في أحد استطلاعات الرأي الذي جرى في 2012، قال أكثر من 90% في غرب أوكرانيا و70% في شرق أوكرانيا أنهم يعتبرون أنفسهم “مواطنين أوكرانيين”.
في استطلاع آخر جرى في الفترة ما بين 8-18 فبراير الماضي، لم يعبر أحد في غرب أوكرانيا عن رغبته في الاتحاد مع روسيا.
شبه جزيرة القرم ربما تكون أكثر القضايا تعقيدا، لأن التتار الذين فيها هم الوحيدون الذين يعتبرون من أهل البلد الأصليين، قبل 1783، كانت لهم دولة، بعد ذلك استولت روسيا على شبه جزيرة القرم وأخضعت سكانها؛ في 1944 قام السوفيت بنفيهم إلى وسط آسيا، ولم يستطيعوا العودة قبل 1989 ليواجهوا الإهمال من قبل الحكومة والعنصرية من الغالبية الروسية الذين كانوا يسكنون هناك، آمالهم بالازدهار والأمن تتجه الآن أكثر نحو كييف والاتحاد الأوروبي منها إلى موسكو.
جهود الكرملين لإشعال التوتر في مناطق أوكرانيا سوف تفشل على الأرجح، أوكرانيا منقسمة على خطوط عدة، لكن هناك مؤشرات مشجعة في الدعم المفاجئ الذي أظهرته الأقلية الأوكرانية الحاكمة للحكومة الجديدة في كييف، وفي آلاف الرسائل من مواطنين أوكرانيين وروس إلى الرئيس بوتين وهم يحثونه على تجنيبهم “حماية” الكرملين.
هذه الأعمال، بالإضافة إلى استطلاعات الرأي، تظهر أن المواطنين الأوكرانيين بشكل عام ليسوا منقسمين حول سلامة وحدة أراضيهم.
* نيويورك تايمز