حاجتنا لتيسير الفتوى
الخميس، ٦ مارس ٢٠١٤
قلت في الأسبوع الفائت إن المفتي اليوم يواجه تحديات كبيرة وعميقة في ظل انفتاح الإعلام، وكثرة الشكوك والشُّبه التي يثيرها المغرضون حول الشريعة الإسلامية ومدى صلاحية تطبيق أحكامها في العصر الحديث.
وقلت إن المفتي حتى يمكنه مواجهة هذه التحديات والتصدي لها فإنه يحسن به بل يجب عليه مراعاة أمور عدة، شرحتُ منها أهمية العناية ببيان أهداف الأحكام الشريعة وحِكمها والأسباب التي من أجلها كُلف الناس بها، فلا ينبغي للمفتي أن يكتفي بقوله: هذا حلال وهذا حرام فحسب، دون أن يوضح أسباب هذه الحرمة والحِكمة من ورائها، حتى يكون ذلك أدعى لقبول المؤمنين وتثبيتهم والرد على المشاكسين وتبكيتهم....
اليوم أريد أن أشرح أمراً آخر أرى أهمية مراعاته عند النظر في المسائل وإصدار الفتاوى وهو ضرورة مراعاة التيسير والتسهيل على الناس وعدم التشديد عليهم في المسائل الاجتهادية التي وقع فيها خلاف بين العلماء، وأهمية إعمال القواعد الداعية للتيسير كقاعدة «الأصل في الأشياء الإباحة» وقاعدة «الضرورات تبيح المحظورات» و»اختيار أخف الضررين» وغيرها من قواعد التيسير التي من شأنها دفع المشقة والعنت عن الناس.
إن من أشد الأخطاء أنه كلما ترجح لدى المفتي رأي أو اجتهاد في مسألة فرعية ظنية، يأتي فيجعله حقيقة نهائية مطلقة لا تقبل النقد أو المناقشة، ويريد إجبار الناس عليها بكل حال، فهذا من علامات التعصب وضيق التفكير.
وما أحسن قول الإمام الجليل سفيان الثوري: (إنما العلم عندنا الرخصة من الثقة، وأما التشديد فيحسنه كل أحد).
وإذن فعلى المفتي ترك التشديد في مسائل الخلاف الظنية التي ليس فيها نصّ صحيح صريح ملزم، فمثل هذه المسائل ليس من المستحسن التضييق فيها على الناس أو إلزامهم فيها بالأخذ بالأحوط.
نعم للمفتي أن يحتاط هو لنفسه، ويشدد هو على نفسه، فهذا أمر يخصه وحده، لكن لا يفعل هذا مع الناس، كما ذكر في ترجمة الإمام المزني تلميذ الشافعي أنه: (كان من أشد الناس تضييقاً على نفسه، وأوسعه في ذلك على الناس).
وقبل المغادرة أودّ التنبيه والتنويه إلى أن هناك فارقا كبيرا جداً بين التسهيل في الفتوى وفق الضوابط المرعية وبين ما يفعله بعضهم من التحايل على الأحكام القطعية أو القفز فوق ثوابتها الأساسية ومصادمة نصوصها الواضحة الجليّة، فهذا ليس من التيسير في شيء، وإنما هو من علامات الغش والتزوير والتلاعب بأحكام الشريعة باسم التيسير نسأل الله السلامة.