هل ينتهي الخلاف بانتهاء النقاش؟
الأحد، ٨ نوفمبر ٢٠٢٦«يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام». من حديث النبي ﷺ.
كنت أسمع هذا الحديث كثيرا في المدرسة. وأتذكر كيف كنا نختلف ونحن صغار، فنقرر ألا نتحدث إلى بعضنا. ثم يأتي العيد، ونجتمع مع الأقارب، ونرى من خاصمناهم، ويتظاهر كل منا بأنه لم يرَ الآخر. قد يكون سبب الخصام خلافا على لعبة، أو غيرة من فوز أحدنا، أو كلمة فهمناها على غير ما قصد بها. أشياء تبدو صغيرة الآن، لكنها يومها كانت تكفي لتفسد فرحتنا باللقاء.
كنت أستحضر الحديث، وأحاول أن أكون «خيرهما»، فأذهب لألقي السلام. لكنني اليوم أتوقف عند المشاعر التي تسبق تلك الخطوة: التردد، والغضب الذي لم يهدأ، والخوف من أن تمتد اليد فلا تجد من يصافحها. ثم أفكر فيما يأتي بعدها؛ فقد نتصافح، ونجلس في المكان نفسه، ويبقى بيننا كلام لم يقل.
نكبر، ونبتسم حين نتذكر خصومات الطفولة. ثم نجد أنفسنا أمام خلافات أثقل، مع أشخاص لهم في حياتنا مكان لا يشبه مكان غيرهم. يصبح من الصعب الحديث بعفوية، ويتردد في داخلنا سؤال موجع: كيف حدث هذا منك أنت؟ فمكانة الشخص تجعل ما صدر منه أصعب قبولا، خصوصا حين نشعر أن الثقة التي منحناه إياها لم تصن.
وفي العائلة، يمتد أثر الخلاف إلى ما يتجاوز الموقف نفسه. قد تنتهي صداقة بالابتعاد، أما رابطة الأخوة فيبقى لها حضور في الاسم والذاكرة والمناسبات، حتى حين تتغير المسافات بين أفرادها. وحين تجمعهم شركة أيضا، يلتقون حول قرارات ومصالح مشتركة، وهم يحملون معهم تاريخا من القرب والعتب. وقد يستمر العمل فيما تصبح العلاقة أكثر حذرا وأقل قدرة على احتمال اختلاف جديد.
تمضي الأيام، وننشغل بمسؤوليات الحياة. تقل مساحة الموقف في ذاكرتنا، ونظن أننا تجاوزناه. ثم تأتي كلمة، أو نبرة صوت، أو واقعة تشبهه قليلا، فيعود الألم بتفاصيل لم نكن نظن أننا ما زلنا نحفظها. وقد تأتي هذه الكلمة من شخص لا علاقة له بالخلاف الأول، لكنها تستحضر الشعور نفسه. كأننا نعود إلى تلك اللحظة التي حاولنا فيها أن نشرح، ولم نشعر أن أحدا يسمعنا.
هذا ما يستحق الانتباه في إدارة الشركات العائلية. ففي اجتماع لمناقشة قرار جديد، قد يبدو اعتراض أحد الأشقاء مبالغا فيه، بينما يستعيد هو موقفا سابقا استبعد فيه رأيه أو اتخذ القرار دون علمه. ويكون الآخرون بصدد مناقشة جدوى الاقتراح، فيما ينتظر هو ما يطمئنه إلى أن التجربة السابقة لن تتكرر. وحين لا يفهم هذا الاختلاف، يسهل وصفه بالعناد، ويظل السبب الحقيقي لاعتراضه دون نقاش.
وأحيانا نتمسك بالذكرى لأننا نخشى أن يضيع الدرس الذي تعلمناه إذا خف الألم. نتذكر لنحمي أنفسنا من تكرار ما حدث. لكن حمل الموقف إلى كل اجتماع يرهق العلاقة والقرار معا؛ فنراقب الكلمات، ونتوقع الاستبعاد، ونستعد للدفاع قبل أن نفهم المقصود. لذلك، تستحق الثقة اهتماما يتجاوز مطالبة المتضرر بالنسيان. يحتاج إلى ما يمكنه ملاحظته في التعامل، ويمنحه سببا للاطمئنان.
ومن هنا يبدأ الإصلاح بتحديد ما لم يعالج. فقد يكون القرار سليما، وتكون طريقة اتخاذه مؤذية؛ وقد يكون أصل المشكلة سوء فهم يحتاج إلى توضيح، أو تجاوزا يحتاج إلى اعتراف ومسؤولية. يفيد أن نستطيع القول «هذا ما حدث، وهذا أثره علي، وهذا ما أحتاج أن يتغير». ثم نمنح الطرف الآخر فرصة لشرح موقفه، دون أن نجعل اختلافه معنا سببا لإلغاء ما شعرنا به.
وفي الشركة العائلية، ينبغي أن يجد هذا الحوار أثرا في طريقة العمل: وضوح في الأدوار، وإتاحة للمعلومات، وآلية معلومة لمناقشة القرارات والاعتراض عليها. وإذا تعثر الحوار، فقد يساعد طرف محايد على تنظيمه. فالاعتذار يكتسب معناه حين يصاحبه تغيير، وتصبح استعادة الثقة أقرب حين نرى أن ما آلمنا لن يترك ليتكرر بالطريقة نفسها.
أما المسامحة، فلا يصح أن تتحول إلى اختبار لمحبة العائلة. قد نبادر بالسلام بصدق، ونحتاج مع ذلك إلى وقت قبل أن نطمئن كما كنا. وقد نحتاج إلى إعادة ترتيب أدوارنا في العمل حتى نحافظ على العلاقة. فالحرص على بقاء الروابط يستدعي احترام ما يستطيع كل طرف احتماله، ومنحه فرصة لاستعادة القرب دون مطالبته بالتظاهر بأن شيئا لم يحدث.
ما زلت أتذكر الطفلة التي كانت تريد أن تكون «خيرهما»، فتذهب لتلقي السلام. وأرى اليوم أن الحفاظ على العلاقات التي تعنينا يحتاج إلى الاهتمام بما يأتي بعد تلك الخطوة. ففي الشركات العائلية، يظل إصلاح ما حدث بين الشركاء جزءا من مسؤوليتهم عن مستقبل العمل؛ حتى يصبح استمرارهم معا اختيارا يستطيعون الاطمئنان إليه، وتبقى بينهم مساحة للأخوة خارج حدود الشركة.