الرأي

انحسار الكبار وازدهار الصغار: بين اشتراك يضيق وإعلان يستفيض

@aabankhar


يشهد سوق البث التلفزيوني والفيديو عبر الإنترنت تغيرات جذرية في سلوك المستهلكين ونماذج الأعمال. تسلط النشرتان الصادرتان عن مؤسسة Statista Consumer Insights الضوء على مرحلة انتقالية مهمة، حيث لم يعد التركيز حصرا على المنافسة بين المنصات نفسها، بل امتد ليشمل طبيعة اشتراكات المستخدمين ومدى تقبلهم للإعلانات مقابل خفض التكاليف.

تحليل الاتجاهات العامة للمستهلك: السلوك والنموذج المفضل

تظهر نتائج الاستطلاع الشامل الذي شمل 7,500 مشارك أمريكي في الفترة الممتدة بين أكتوبر 2025 - سبتمبر 2026 تحولا واضحا في نمط استهلاك المحتوى الرقمي:

- صدارة البث المجاني المدعوم بالإعلانات: يتصدر خيار البث المجاني المدعوم بالإعلانات (Free ad-supported streaming) المشهد بنسبة 63%. يعكس هذا الرقم بحث المستهلكين عن الترفيه المجاني دون التزامات مالية.

- صعود النماذج الهجينة (المدفوعة مع إعلانات): جاء خيار البث المدفوع المدعوم بالإعلانات (Paid ad-supported streaming) في المرتبة الثانية بنسبة 44%، متفوقا على خيار البث المدفوع الخالي تماما من الإعلانات (Paid ad-free streaming) الذي سجل 39%.

- تراجع الشراء المباشر والاستئجار: تراجعت خيارات استئجار الفيديو أو الشراء الفردي إلى 20% فقط، مما يوضح تفضيل المستخدمين لنموذج الاشتراكات أو الخدمات المفتوحة مقارنة بالدفع مقابل العمل الفردي.

أصبح العامل المالي والحساسية تجاه الأسعار المحرك الأساسي للمستهلكين، حيث يفضل الغالبية تحمل مشاهدة الإعلانات مقابل الحصول على الخدمة مجانا أو بسعر مادي منخفض.

تحليل أداء المنصات الرائدة: حصص السوق والمنافسة

بالانتقال إلى أداء أبرز الخدمات في السوق الأمريكي بين عامي 2020 و2026، تظهر البيانات تراجعا جماعيا أو تذبذبا في حصص الوصول للمستخدمين:

- نتفليكس: رغم استمرارها في صدارة السوق بنسبة 65% في عام 2026، إلا أنها شهدت تراجعا حادا مقارنة بعام 2020 حيث كانت تسيطر على 82% من المشاهدين (بانخفاض بلغ 17%).

- أمازون برايم: حافظت على المركز الثاني بنسبة 55% في 2026، لكنها سجلت انخفاضا ملحوظا عن ذروتها في 2023 حيث بلغت 68%.

- هولو، وديزني بلس: سجلت منصة هولو 47% في 2026 مقارنة بـ51% في 2020، بينما تراجعت ديزني بلس إلى 41% في 2026 بعد أن وصلت إلى ذروتها في 2023 بنسبة 52%.

لم تعد أي منصة قادرة على الاحتفاظ بحصة احتكارية؛ إذ أدى تشبع السوق وتعدد الخيارات إلى تفتيت كعكة المشاهدين حتى بين كبرى المنصات عالميا.

رؤية استشرافية وآفاق المستقبل

عند الربط بين نتائج التقريرين، تبرز صلة وثيقة بين تراجع حصص المنصات المدفوعة والتحول نحو الخدمات المدعومة بالإعلانات:

- انتقال الثقل إلى الإعلانات (AVOD): يفسر التوجه نحو الخدمات المجانية والمدعومة بالإعلانات السبب وراء تراجع نسبة المشاهدين للمنصات المدفوعة التقليدية. المستهلكون باتوا يقلصون عدد الاشتراكات الشهرية التراكمية، ويتجهون إما إلى الباقات الأرخص التي تتضمن إعلانات أو الخدمات المجانية بالكامل.

- إعادة تشكيل نماذج العمل للمنصات الكبرى: لتفادي الاستمرار في فقدان حصص السوق، ستضطر المنصات الكبرى مثل نتفليكس وديزني بلس إلى الاعتماد بشكل أكبر على خطط اشتراك منخفضة التكلفة مدعومة بالإعلانات، وتعزيز استثماراتها في شبكات الإعلانات الرقمية لتعويض النقص في إيرادات الاشتراكات المباشرة.

- تزايد ظاهرة الشظية والتنقل بين المنصات (Churn Rate): تشير الأرقام إلى أن المشاهد لم يعد يكتفي باشتراك واحد دائم؛ بل يتنقل بين المنصات وفقا للمحتوى المتاح أو يكتفي بالبث المجاني، مما يفرض على الشركات تحسين جودة المحتوى لضمان الاحتفاظ بالمستخدمين.

يتجه مستقبل قطاع البث نحو نموذج أكثر توازنا، يرتكز على المحتوى المجاني والمدعوم بالإعلانات كخيار أول للمستهلكين، مما يتطلب من شركات البث إعادة استراتيجيات التسعير لتستهدف الشريحة الأكبر من الجمهور التي أصبحت ترجّح التكلفة الاقتصادية على تجربة المشاهدة الخالية من الإعلانات.