الرأي

لماذا خسر الجمهوريون؟ حين صوت الأمريكيون ضد وعود ترامب

mr_alshammeri@


لم تكن خسارة الحزب الجمهوري السيطرة على مجلسَي النواب والشيوخ في الانتخابات النصفية الأمريكية مجرد انتكاسة انتخابية عابرة، بقدر ما كانت رسالة سياسية تتجاوز المرشحين والدوائر الانتخابية إلى الرئيس دونالد ترامب نفسه. فبينما يمكن تفسير جانب من النتائج بالقاعدة التاريخية التي تجعل الحزب الحاكم عرضة لخسارة مقاعده في منتصف الولاية الرئاسية، فإن حجم الهزيمة وطبيعة التحولات داخل القاعدة الانتخابية الجمهورية يشيران إلى أسباب أكثر عمقا، ترتبط بالفجوة بين الوعود الرئاسية والواقع الذي يعيشه الناخب الأمريكي.

تاريخيا، نادرا ما استطاع الحزب الذي يسيطر على البيت الأبيض الإفلات من العقاب الانتخابي في منتصف الولاية. فمنذ نحو قرن، برزت ثلاثة استثناءات مهمة لهذه القاعدة في مجلس النواب؛ أولها عام 1934 عندما عزز الديمقراطيون بقيادة فرانكلين روزفلت حضورهم في الكونغرس وسط التأييد الشعبي لسياسات الصفقة الجديدة. وثانيها عام 1998 عندما حقق الديمقراطيون مكاسب محدودة في عهد بيل كلينتون، مستفيدين من الأداء الاقتصادي الجيد وردود الفعل تجاه محاولات عزله. أما الاستثناء الثالث فكان عام 2002، عندما حقق الجمهوريون مكاسب في المجلسين خلال رئاسة جورج بوش الابن، مستفيدين من حالة الالتفاف الوطني التي أعقبت هجمات الحادي عشر من سبتمبر.

غير أن الاستناد إلى هذه القاعدة لتفسير خسارة الجمهوريين عام 2026 وحده يتجاهل المتغير الأهم، وهو أن الناخب الأمريكي لم يعاقب الحزب الحاكم لمجرد وجوده في السلطة، بل بسبب شعوره بأن أولوياته لم تنعكس بالقدر المتوقع على السياسات الحكومية.

وتكشف استطلاعات الخروج عن هذا التحول بوضوح. فقد اعتبر 89% من الناخبين أن تكاليف المعيشة عامل حاسم أو رئيسي في تصويتهم، فيما عبر 75% عن استيائهم أو غضبهم من اتجاه البلاد. واختار 39% الاقتصاد باعتباره القضية الأهم، مقابل 32% لحالة الديمقراطية الأمريكية. كما رأى نحو سبعة من كل عشرة ناخبين أن الكونغرس بحاجة إلى ممارسة رقابة أكبر على الرئيس.

وهنا تكمن المفارقة السياسية. فقد أعاد الأمريكيون ترامب إلى البيت الأبيض عام 2024 على أساس وعود واضحة بخفض الأسعار، وتحسين القوة الشرائية، وإعادة الاعتبار لمبدأ «أمريكا أولا». لكن الناخب الذي منح الجمهوريين ثقته لم يكن ينتظر مؤشرات اقتصادية إيجابية على الورق بقدر ما كان ينتظر انخفاض تكلفة مشترياته اليومية، من الغذاء والوقود إلى السكن والخدمات.

ومع استمرار الضغوط المعيشية، أصبحت التعريفات الجمركية والسياسات الاقتصادية للإدارة جزءا من النقاش حول أسباب ارتفاع الأسعار، بدلا من أن تكون دليلا على نجاح الوعود الرئاسية. وبذلك خسر الجمهوريون إحدى أهم نقاط قوتهم في انتخابات 2024: ثقة الناخب بقدرتهم على إدارة الاقتصاد.

أما في السياسة الخارجية، فقد واجه شعار «أمريكا أولا» اختبارا أكثر تعقيدا. فالناخب الذي انجذب إلى وعود ترامب بإنهاء الحروب وتقليص الانخراط العسكري الخارجي، وجد بلاده منخرطة في حرب مع إيران، وسط ارتفاع تكاليف الطاقة واستمرار الجدل حول الدعم الأمريكي لإسرائيل.

ولا يعني ذلك أن السياسة الخارجية أصبحت القضية الأولى لدى عموم الناخبين؛ فقد اختارها 4% فقط باعتبارها القضية الأهم في استطلاع الخروج. لكنها شكلت عاملا مؤثرا لدى شرائح محددة، خصوصا الناخبين الذين رأوا تناقضا بين وعود تقليص الالتزامات الخارجية وتخصيص موارد إضافية للصراعات الإقليمية. حتى إعلان ترامب يوم الانتخابات عزمه وقف المساعدات المالية السنوية لإسرائيل بنهاية العام لم يلغ التساؤلات حول توجه إدارته، خصوصا أن آلية تنفيذ القرار لم تكن واضحة.

لكن التطور الأكثر أهمية ربما كان تصدع التحالف الانتخابي الذي صنع انتصار ترامب عام 2024.

فبينما نجح ترامب سابقا في توسيع القاعدة الجمهورية خارج حدودها التقليدية، مستقطبا شرائح من الشباب واللاتينيين والناخبين العرب والمسلمين، أظهرت نتائج 2026 تراجعا واضحا في هذا التحالف.

فقد صوت نحو 72% من الناخبين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاما للديمقراطيين، مقابل 25% للجمهوريين، بعدما كانت المنافسة بين الحزبين أقرب بكثير خلال انتخابات 2024. كذلك تراجع التأييد الجمهوري بين الناخبين اللاتينيين إلى نحو 35%، مقابل 46% حصل عليها ترامب في الانتخابات الرئاسية السابقة، وفق بيانات استطلاعات الخروج.

ولعل التجربة العربية الأمريكية تقدم مثالا على هشاشة التحالفات الانتخابية القائمة على الوعود. ففي استطلاع أجرته واشنطن بوست وجامعة جورج ميسون قبل الانتخابات، بلغت نية التصويت للديمقراطيين بين الناخبين العرب الأمريكيين 58%، مقابل 34% للجمهوريين، بعد تقارب دعم المرشحين الرئاسيين عام 2024. وقد ارتبط هذا التحول بالغضب من السياسة تجاه إسرائيل، والحروب في الشرق الأوسط، والضغوط الاقتصادية، والخطاب السياسي تجاه الأقليات.

وهذه الأرقام تعكس حقيقة مهمة: ليس كل من صوت لترامب عام 2024 أصبح جمهوريا، وليس كل من انضم إلى تحالف «ماغا» كان مستعدا لمنح الحزب ولاء دائما.

إلى جانب ذلك، لعبت خيارات ترامب للمرشحين دورا في تعميق الخسارة. فقد أثبتت نتائج ولايات مثل تكساس وكارولاينا الجنوبية أن الولاء الشخصي للرئيس لا يعوض بالضرورة ضعف الجاذبية الانتخابية أو محدودية القدرة على مخاطبة الناخب المستقل. وفي المقابل، نجح الديمقراطيون في تقديم مرشحين أكثر قدرة على مخاطبة القضايا المحلية، وفي تحويل الانتخابات من منافسة حزبية تقليدية إلى استفتاء على أداء الإدارة.

ومع ذلك، لا تعني هذه النتائج انهيار الحركة المحافظة أو انتهاء تأثير ترامب داخل الحزب الجمهوري. فما زال الجمهوريون يحتفظون بقاعدة انتخابية مؤثرة، وبأفضلية نسبية في ملف الهجرة؛ إذ منحهم 44% من الناخبين ثقتهم في إدارة هذا الملف، مقابل 41% للديمقراطيين. كما أن التصويت ضد الرئيس لا يعني بالضرورة تحولا دائما في الولاءات الحزبية.

لكن خسارة المجلسين تجعل ترامب أمام واقع سياسي جديد يقترب من مفهوم «البطة العرجاء»، حيث تتقلص قدرته على تمرير التشريعات، وتتسع صلاحيات الرقابة البرلمانية، وتبدأ المنافسة داخل الحزب على ملامح مرحلة ما بعد ترامب.

والخلاصة أن الجمهوريين لم يخسروا لمجرد أن التاريخ يقف عادة ضد الحزب الحاكم في الانتخابات النصفية، بل لأن جزءا من التحالف الذي أوصل ترامب إلى البيت الأبيض لم يعد يرى في سياساته ترجمة كافية لوعوده.

لقد نجح ترامب في جعل «أمريكا أولا» شعارا انتخابيا واسع الجاذبية، لكن انتخابات 2026 كشفت أن الناخب الأمريكي أصبح يطالب بترجمة هذا الشعار إلى نتائج ملموسة، تبدأ من الداخل قبل الخارج.

فالرسالة التي حملتها صناديق الاقتراع للجمهوريين لم تكن رفضا مطلقا للمحافظة السياسية، بل تذكيرا بأن الولاء للمرشح لا يسبق دائما مصالح الناخب، وأن التحالفات التي تصنع الانتصارات يمكن أن تتفكك عندما تتسع المسافة بين الوعود والواقع.