الرأي

شائعات التخويف في أوقات الحروب: قراءة قانونية في التضليل والتهويل

expert_55@


تتعرض المملكة العربية السعودية، في ظل التهديدات والاعتداءات الحوثية، لمحاولات تستهدف أمنها واستقرارها. ولا تقتصر المواجهة مع الحوثيين ومن يسعى إلى الإضرار بالمملكة على الميدان العسكري، بل تمتد إلى الفضاء الإعلامي والرقمي، حيث تتحول منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة للتأثير في الرأي العام وبث الشائعات التي تستهدف إثارة الخوف وإضعاف الروح المعنوية من خلال تهويل الأحداث وتضخيم المخاطر الأمنية.

وتتخذ شائعات التخويف صورا متعددة، من أبرزها تداول مقاطع مصورة مجتزأة، أو نشر صور قديمة على أنها توثق أحداثا جارية، أو تركيب مشاهد توحي بوقوع أضرار لم تثبت صحتها، وتبدأ الشائعة من حساب مجهول، ثم تنتقل بين حسابات أخرى، فتكتسب من كثرة تداولها مظهرا من المصداقية، مع أنها قد تستند إلى مصدر واحد مجهول أو معلومة غير موثوقة، وهنا تكمن خطورتها؛ إذ يُراد للمتلقي أن يصدق الرواية المتداولة قبل أن يتحقق من حقيقتها.

ومن المهم التمييز بين نقل الأخبار الأمنية الصحيحة والتحذير من المخاطر الفعلية، وبين التهويل والتضليل. فليس كل خبر يثير القلق شائعة، كما أن التعبير عن الرأي أو تحليل الأحداث لا يعني بالضرورة ارتكاب مخالفة. وإنما تكمن الإشكالية في تحريف الوقائع، أو نشر ادعاءات غير مثبتة، أو تقديم محتوى مركب ومضلل على أنه حقيقة، بما قد يؤثر في وعي المجتمع وتقديره للموقف الأمني.

ومن واقع تخصصي القانوني، أرى أن خطورة هذه الممارسات لا تقف عند آثارها الإعلامية، بل تمتد إلى ما قد يترتب عليها من مسؤولية نظامية. فقد نصت الفقرة الأولى من المادة السادسة من نظام مكافحة جرائم المعلوماتية على تجريم إنتاج ما من شأنه المساس بالنظام العام، وقررت المادة عقوبة السجن مدة لا تزيد على خمس سنوات، وغرامة لا تزيد على ثلاثة ملايين ريال، أو إحدى هاتين العقوبتين.

ويقتضي تطبيق هذا النص التحقق من طبيعة المحتوى المنشور، وظروف إنتاجه وتداوله، ومدى توافر أركان الجريمة. كما أن إخفاء الهوية خلف حساب مجهول لا يمنح صاحبه حصانة من المساءلة النظامية متى أمكن إثبات نسبة الفعل إليه. أما إعادة نشر المحتوى، فتقدر المسؤولية عنها بحسب طبيعة المحتوى، وظروف الواقعة، والأدلة المتاحة، ومدى انطباق النصوص النظامية ذات الصلة.

وفي المقابل، تقع على كل مستخدم لمنصات التواصل مسؤولية التثبت قبل النشر، ولا سيما في أوقات الحروب والتهديدات الأمنية، فالتأكد من مصدر المقطع وتاريخ تصويره وسياقه، والرجوع إلى المعلومات الرسمية، خطوات ضرورية للحد من انتشار الشائعات. أما إعادة تداول المحتوى لمجرد إثارة الخوف أو سرعة انتشاره، فقد تجعل المتلقي مساهما في توسيع دائرة التضليل دون أن يدرك حقيقة ما ينشره.

إن حماية أمن المملكة مسؤولية وطنية تتكامل فيها اليقظة الأمنية مع الوعي الإعلامي والالتزام القانوني، فالمواجهة لا تكون في صد الاعتداءات، بل تشمل أيضا حماية المجتمع من التضليل والتهويل. وفي أوقات الحروب، لا يكون السبق في النشر دليلا على الوعي، وإنما يكون التحقق من المعلومة والامتناع عن تداول المحتوى المجهول من أهم صور المسؤولية الوطنية؛ فالشائعة تستمد قوتها من انتشارها، ولا ينبغي أن نمنحها بأيدينا ما تعجز عن تحقيقه بمصدرها المجهول.