الرأي

مدينة أم درمان وصراع المجرات

@waleed_zm


حكاية مدينة أم درمان أشبه بقصص حرب النجوم.. مدينة شكلت خصوصية عميقة في وجدان السودانيين وبدت كعاصمة جمعت بين الهوية والتعايش والتراث الأصيل. هي مدينة الثقافة، وحقيبة الفن والشعر، والبيوت الطينية والصناعات الحرفية والأسواق الشعبية، والمعقل الرئيس لأشهر الأندية الرياضية. المدينة عرفت صراعا أزليا لم يكن مجرد تنافس رياضي عادي؛ بل حكاية ذاكرة مجتمع شكلت جزءا من هويتها. أنا أتحدث عن معارك المريخ والهلال السوداني التي كانت تدور رحاها في المجرات البعيدة لتنفجر وتضيء سماء أم درمان بألوان زاهية. أتحدث عن تلك الفترة الذهبية في نهاية الثمانينات وبداية التسعينات عندما كانت المدينة مسرحا لصراع يصعب محوه من الذاكرة. كرة قدم من نوع آخر تتابعها بمحض إرادتك وهي بعيدة كل البعد عن ضجيج التعصب الممقوت، والإثارة الإعلامية المصطنعة، والعقود المليونية. لم تكن مدينة أم درمان مجرد مدينة أشعلها التنافس الرياضي؛ بل كانت سردية تتناقلها الأجيال، ويتوارثها العشاق، وتنازع المجد من أطرافه، ويتقاسم سكانها مشاعر ملونة محمولة على كؤوس ذهبية.

بدأت الحكاية عندما هبطت مركبة المريخ بنجاح على أرض مدينة لاغوس ليعود أفراد الفريق والطاقم الجوي إلى مدينة أم درمان حاملين كأس مانديلا عام 1989 ويتوج المريخ عندئذ بلقب «بطل الكؤوس المحمولة جوا» كماركة مسجلة باسمه. نعم، كؤوس ظلت في الأجواء كقناديل معلقة حتى استقرت في خزائن مدينة أم درمان وأصبحت حديث المجالس والمقاهي لعقود طويلة. دقت هذه البطولة ناقوس الخطر لتنبئ عن اختلال في موازين القوى ليحشد النادي المنافس جهوده ويصل إلى نهائي بطولة أفريقيا عام 1992؛ ولكن التاريخ يكتب المريخ متفردا بالكأس حتى إشعار آخر. عزز هذا التنافس الرياضي الإيجابي من الإدماج الاجتماعي، فالشغف المشترك آلف بين المجموعات السكانية، وقلل خطر الانقسام الإثني الذي تعرضت له المدينة. كما ساهمت هذه الأندية في تنظيم المجتمع المدني والعمل الخيري وتقوية شبكة العلاقات الاجتماعية وتخفيف وطأة الأزمات النفسية في بلد عايش تحولات اقتصادية وسياسية كبيرة.

مدينة أم درمان لم تتميز بمعالمها أو ساحتها ومبانيها العريقة فحسب؛ بل بروحها التي أعادت إنتاج هويتها وعزف سكانها سيمفونية الهوية الحضرية على إيقاعات رياضية. يجتمع الناس في جلسة الشاي أو ما يعرف بالبنبر للنقاش في منبر مفتوح، ويشكل الحديث الرياضي الشغف المشترك الذي لا يلبث أن يتطور لمناقشة شتى مناحي الحياة.. جلسات «شاي المغرب» و«ست الشاي» شكلت مادة دسمة في المدينة وعززت من التلاحم والتكافل الاجتماعي.

لقد أصبح التنافس الرياضي والاختلاف جزءا لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي للمدينة، واحتفظ المكان بذاكرة امتدت لعقود طويلة. وهكذا، أصبحت الرياضة بمثابة المتنفس الحقيقي للمجتمع حتى في عز الحروب والأزمات.

ومن هنا نستطيع إدراك أن المكان وحده لا يصنع الهوية الأصيلة دون ثقافة المعنى التي يضيفها المجتمع لهذا المكان. مدينة أم درمان لم تتميز لكونها تحوي ملاعب أو منشآت رياضية ذات تصاميم جذابة.. فهويتها نشأت من تراكم التجارب والعلاقات والعواطف، وذكريات الفرح والحزن حتى أصبحت جزءا من وجدانها.

باختصار، إنها المدينة التي قسمت القلوب بين اللونين الأحمر والأزرق، ولكنها جمعتهم في حب السودان.